ما أسس الإدارة الراشدة التي تضمن أداء الحقوق الإنسانية إلى أصحابها؟ (النساء:58-59)
22 أغسطس، 2023
461
أدار الله سورة النساء على بيان حق الجنس الإنساني في الاستقرار والانتشار، ولذا لا بد أن يقيم أفراده الحقوق الإنسانية المختلفة المتبادلة، وذكر تعالى شأنه في القسمين السابقين الدور الخطير الذي يمارسه الصنف القيادي الذي يشتري الضلالة ويهدف إلى إضلال العالم؛ ليحرم الإنسانية من حقوقها.. وحتى لا تظن أن مسألة الحقوق الإنسانية مجرد كلامٍ ديني عاطفي جاء هذا القسم الإداري الدستوري لتجد فيه أن الله جل مجده أنزل إلى البشرية آيتين مركزيتين في السورة (النساء:58-59) تبينان الأسس الدستورية والتشريعية للإدارة الراشدة التي يجب إنشاؤها لتوصل الحقوق إلى الإنسانية، حتى يمكن للعالم أن يستوفي حقوقه.
ومن هذه الأسس:
الأساس الثالث:
الشعور بالقيمة العالية والـموثوقية الرفيعة للتوجيهات الإلهية.
ويثبت الله الشعور بذلك بقوله: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58]: هنا ربما تتعجب وتخاطبني قائلًا: ماذا الذي تقوله؟ هذا مجرد ختام للآية.. أقول لك: صحيح، وكونه تذييلًا رائعًا للآية لا يعني أنه لا يقدم أساسًا من أسس الإدارة الراشدة، فربما جاريتني -أيدك الله- وقلت: وما علاقة الشعور بالقيمة العالية للتوجيهات الإلهية بالإدارة الراشدة التي تمنح الإنسانية الحقوق؟ عندها: أنظرني وتأمل معي:
إن هذا الشعور بالقيمة العالية والموثوقية الكاملة للتوجيهات الإلهية يجعل الحاكم والسلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية على ثقة تامة بوجود حلول يجب استنباطها من هذه التوجيهات.. حلول للمشاكل الحالية، والأحداث المستجدة، والأمور المتوقعة، ولذا يقول الله لك: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] أَيْ نِعْمَ شَيْءٌ يَعِظُكُمْ بِهِ، أَوْ نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكُمْ بِهِ.. نِعْمَ الذي يوجهكم إليه مما يقيكم المكروهات المستقبلية؛ إذ تتنعم به حياتكم، وتطمئن به نفوسكم.. فبعد أن يذكر الله الأساسين الكبيرين لإدارة الحياة (أداء الأمانات والحكم بالعدل) يجذب العالم لتطبيق ذلك ببيان الأثر الكبير لتطبيق التوجيهات الربانية على مستوى الحياة البشرية فيقول: {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].. إنه يحثهم على استشعار مدى الثقة بالنص القرآني حيث تجد البشرية دولًا وأفرادًا كل نعمة في اتباع أوامر الله والسير وفق التعاليم القرآنية.
والوَعْظُ: النُصْحُ الذي يصحبه التذكيرُ بالعواقب والمآلات المستقبلية تذكيرًا يرق له القلب [1]، ولماذا كان وعظ الله شيء يُتنعم به؟
لأن الله جل جلاله لا ينتفع من هذه الأوامر.. أنتم من ينتفع بها، وأعظم الأوامر نفعًا ما لا تجد فيه مصلحة للآمر؛ إذ صارت المصلحة كلها خالصة للمأمور، ونِعْمَتْ الأوامرُ التي أَمَرَنا الله بها؛ لأنه الكامل العلم والحكمة، فالأمر صدر عن علمٍ كامل، وحكمةٍ مطلقة، فلا يُخاف من أن يعتريَ هذه الأوامر النقص أو الخلل.. بل يطمئن السامع لها، ويثق بها، فكأنه جل ثناؤه يقول: يا أيها الناس، إن الله نعم الشيء يَعظكم به، ونعمت العظة يعظكم بها عندما أمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بين الناس بالعدل ليكون في ذلك صلاح المجتمعات، وإسباغ الأمن والأمان عليها.
ثم بين الله جل ذكره الرقابة الإلهية الدائمة لمدى تطبيقهم لتلك الأسس الثلاثة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} بأقوالكم وأفعالكم التي يتم من خلالها تطبيقكم لتلك التوجيهات القرآنية، فهذه الجملة الختامية «أَعْظَمُ أَسْبَابِ الوَعْدِ لِلْمُطِيعِ، وَأَعْظَمُ أَسْبَابِ الوَعِيدِ لِلْعَاصِي» كما يقول الرازي، ولذا قال النبي: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[2]، وحتى تفئ إلى أمر الله، وتحسن في تذوق التوجيهات السابقة ختم الله الآية بتذكيرك بهاتين الصفتين ليناسب ذلك أداء الأمانة والحكم بالعدل فإن السمع يتعلق باللفظ والبصر يتعلق باللَّحظ، فالله سميع للفظك بصير بلحظك، فلا يفتننك الشيطان فتتلاعب بلفظك أو تخادع بلحظك في الأمانة أو في الحكم بالعدل؛ إذ من الناس من يؤدي الأمانة صورة لا حقيقة، أو يوهم الناس أنه يحكم بالعدل صورة لا حقيقة، وما أكثر ما شاع هذا في زماننا، ولكن الله تعالى جده يخبرك أنه سميع بصير فأين تفر منه؟
وهو سميع بصير لكلامك وأفعالك التي تثبت حقيقة شعورك بالثقة بالوعظ الإلهي، وتثبت اعتزازك به.
ولاحظ أن الصفات الإلهية جاءت على المبالغة مع أنه كان يمكن أن تأتي على صيغة اسم الفاعل، فيقول: سامع ومبصر، ولكنه أتى بهذه الصيغة: سميع بصير ليُعلمك أنه السامع لكل شيء المبصر لكل شيء حتى لا يفوته شيء، وأتى بكان لما سبق أن أخبرناك أن صفاته ملازمة لذاته، فهو سميع بصير قبل أن يخلق المخلوقات جل شأنه.
أ.د/ المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء
[1] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/ 1181)، مقاييس اللغة (6/ 126).
[2] صحيح البخاري – ترقيم فتح الباري (1 / 20).