{وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]
لماذا لم يتعد الإفضاء بمفعول يناسبه؟
لماذا أطلق الإفضاء ولم يقيده؟
ولماذا
جاء التعبير بقوله:
{وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} مع أنه كان يمكن أَنْ يَقُولَ:
وَقَدْ أَفْضَيْتُمْ إِلَيْهِنَّ، أَوْ أَفْضَى أَحَدُكُمْ إِلَى الآخَرِ؟

ما أجمل القرآن عندما يتدبره الإنسان فيكتشف لؤلؤه والمرجان،

فكلمة ﴿أَفْضَى﴾
تدل على الاتساع والانفساح، ومن ذلك الفضاء،
وإنما لم يقل: وأفضى بعضكم إلى بعض بالجماع، لتبين الآية أن المراد
الجماع، وكل جوانب العشرة التي لا تخفى،
فجعل الله الفعل ﴿أَفْضَى﴾ بلا مفعول محدد

لتشع كل معانيه أمام سامعيه، ولتنسكب كل إيحاءاته التي يشعرها المرء في دلالاته، فلا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانات والتصورات، والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، والقرآن «يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان.. وفي كل اختلاجة حب إفضاء. وفي كل نظرة ود إفضاء. وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء. وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء. وفي كل شوق إلى خلف إفضاء. وفي كل التقاء في وليد إفضاء..

كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب:

{وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]. فيتضاءل إلى جواره
ذلك المعنى المادي الصغير، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف».

وها هنا بصيرة أخرى في العلاقة الرائعة التي يصفها القرآن بين الرجل والمرأة حيث جاء التعبير بقوله:
{وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21] مع أنه كان يمكن أَنْ يَقُولَ:
وَقَدْ أَفْضَيْتُمْ إِلَيْهِنَّ، أَوْ أَفْضَى أَحَدُكُمْ إِلَى الآخَرِ،

وذلك ليبين أن كُلّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَنْزِلَةِ جُزْءِ الآخَرِ وَبَعْضِهِ المُتَمِّمِ لِوُجُودِهِ،
فَكَأَنَّ بَعْضَ الحَقِيقَةِ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ بَعْضِهَا الآخَرِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِ بِهَذَا الإِفْضَاءِ وَاتَّحَدَ بِهِ، ومَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ هِيَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا؛
وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَفْظُ «زَوْجٍ» لِاتِّحَادِهِ بِالآخَرِ وَإِنْ كَانَ فَرْدًا فِي ذَاتِهِ، وليظهر أن كلًا من الطرفين كان يجد لذته بعلاقته الجنسية ومعاشرته المعيشية من الطرف الآخر..

إنه سبك الذهب من اللفظ ليخرج في صورة الجمال الذي يسحر الألباب ويحتل العقول فتجد السلام الروحي الذي تفقده البشرية اليوم.

أ.د/ عبد السلام المجيدي

مفصل تفسير سورة النساء