مقتطفات

جمال الكلمة القرآنية (13)

أ.د/ عبد السلام المجيدي

ما أسرار التعبير القرآني {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} في قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24]؟

وكيف فضح هذا التعبير الجهود المؤسسية التي تروم تدمير الأسرة؟

جاء الحنان القرآني على البشرية بعد ذكر من يحل الزواج منهن ليبين عددًا من ضوابط الزواج الناجح غير ما تقدم في سورة البقرة، فذكر الله عدة ضوابط منها:

أن يكون النكاح للرغبة في إحصان الزوج والزوجة وإعفافهما بالاستمتاع الحلال بالنكاح الشرعي، وبصرنا به قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]، كأنه يقول: ضعوا أنفسهم وزوجاتكم في حصنٍ بهذا الزواج من الزنا والفسق، وسفح الماء في غير محله:

فأطلق الإحصان ولم يقيده، فكلمة الإحصان تجمع لنا ثلاثة مفاهيم:

المفهوم الأول: أن تحصنوا أنفسكم وتُحصنوا زوجاتكم بهذا الزواج من العبث بالزنا أو الفسق، وهذا يؤدي إلى مفهوم آخر:

 ينبغي أن تبتغي بمالك المرأة التي تعينك على هذا الاحصان، فابحث عن ذات الدين، وذات الخُلُق، وذات الهيئة المناسبة لك، وصاحبة الألفة الاجتماعية المتوافقة مع حياتك،

 وهنا يأتي المفهوم الثالث: أن تقوم هي بإحصانك فهي محصِنة كما تقوم أنت بإحصانها فأنت محصِن، فالزواج ليس شكليًا أو كما يسميه بعضهم (البريستيج) بل من لوازمه أن يقوم كل طرفٍ بما يحقق الإحصان.

ولكن الكلام هنا عن الرجال ﴿مُحْصِنِينَ﴾ وذلك يقتضي أن يحقق الرجل الاستمتاع اللائق حتى يتم الإحصان أي محصنين لأنفسكم ولمن ترغبون بنكاحها، وينتظر في مقابل ذلك أن تقوم المرأة بالأمر ذاته، فالزواج من أغراضه العظيمة قصد إحصان الزوجة، وحتى لا يظن أن الاستمتاع مطلوبٌ في ذاته مطلقًا دون قيد أردفه بقوله:

 ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي غير زناة تطلبون المتعة المطلقة دون ضوابط والتزامات، فالسِّفَاحُ وَالمُسَافَحَةُ مِنَ السَّفْحِ، وَهُوَ صَّبُّ الماء في المنحدر الواطئ كما قَالَ تَعَالَى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، وَفُلَانٌ سَفَّاحٌ لِلدِّمَاءِ أَيْ سَفَّاكٌ، وذلك لأن غرض الزاني سفح النطفة، وهو هنا مفاعلة لأنه يؤدي إلى إراقة قوة الماء عند الرجل والمرأة هدرًا دون ابتغاء ما كتب الله للإنسان من الإعفاف، والولد، ونمو البشرية،

 فهذا الضابط يحمل نهيًا متعاظمًا عن أن يكون النكاح متعة مطلقة، فلا يحصن الطرفين من الإثم والدنس، ولا يحصن الذرية من الإعدام والتلف، ولا يحصن البيت من الخراب والبوار! وانظر لهذا السفاح في العلاقات الجنسية العابرة التي تروجها الثقافة الغربية على أوسع نطاق، كما أنك تجد معناها واضحًا فيما سمي نكاح المتعة!

وتقرر الآية أن النكاح للسفاح خارج الإطار الزوجي جريمة في ذاته لأنه يؤدي إلى التلاعب بالجنس البشري وصولًا إلى إبادته، وكذلك أي تهوينٍ من اللقاء الشرعي، أو توهينٍ لقيام الأسرة الشرعية هو جريمةٌ ضد المجتمع ثم ضد الإنسانية وليس جريمة شخصية محدودة.

وهذا الشرط أو الضابط للنكاح عجيبٌ في آفاقه، وهو يقدم دليلًا على الحل الإسلامي الرائع لأوضاع البشرية كما يدل على اقتران الحل الإسلامي بملء الحياة البشرية بالسعادة والمتعة؛ فإن الإحصان يقتضي أن يقوم كل من الزوجين بواجبه في إعطاء الآخر متعته عند الاتصال به حتى يتم التحصن، فيحصنوا أنفسهم وأزواجهم من النظر إلى من لا يحل.

كما أن هذا الشرط يفضح الجهود المؤسسية التي تروم تدمير الأسرة، والأسرة تمثل حصن البشرية الحقيقي في النمو والاستمتاع، وما أكثر الصراخ الجائر والعواء المجرم الذي ينبعث من أروقة بعض المؤسسات الدولية المعاصرة ليجعل لقاء المخلوقات لقاء استمتاع ولذة فقط، وليس لقاء يجمع الحفاظ على الإنسانية والاستمتاع المنظم معًا.

مفصل تفسير سورة النساء