المقالات

جمال الكلمة القرآنية (22)

أ.د/ عبد السلام المجيدي

المثل المائي

إن معجزة القرآن متعدد الأوجه كثيرة الأسباب والأبواب ومن ذلك الإعجاز البياني بضرب الأمثال التي تسلب الألباب وتفتح من معاني التدبر العجب العجاب، فقد ضرب الله تعالى
للمتردِّدين من زاعمي الإيمان المثلَ المائي فقال ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ( ١٩) يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 19-20].
وقد تسأل:
ما المشاهد التي تبصِّرنا بها هاتان الآيتان حول الفريق الثاني (الفريق المتردِّد والمراوغ):
الجواب: تبصِّرنا هاتان الآيتان بـ (12) مشهدًا، وهي:
مشهد [1]: مشهد تعدُّد البدائل النِّفاقية، وتبادل الأدوار: ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ﴾
فـ﴿أو﴾تبصِّرنا بأن التَّمثيل هنا لبيان صنفين من المنافقين، وليس لتكرير وصف فئة واحدة، فالنوع الثاني هو المنافق المتردِّد والمنافق المراوغ ، فهي للتَّنويع والتَّوزيع؛ ليشمل ضرب الأمثال الحالات المختلفة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا﴾ [الإنسان:24]، فإن المراد تساويهما في عصيانهما، ولكن كلاً منهما غير الآخر في إجرامه.

مشهد [2]: الاضطراب الدَّائب، والتَّردُّد الشَّهواني
ويبصِّرنا بذلك قوله: ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ﴾، فهذا النوع من المنافقين متردِّد بين الإيمان والكفران، وبين الإخبات والطغيان، فتراه أحيانًا مبصرًا يطلق التَّصريحات الصَّادقة الرَّائعة، ويقوم بالأفعال الصَّالحة الطَّيِّبة، ثم ما يلبث أن ينتكس، فكأنه ليس ذلك الذي سار في هدىً سائق، ولا الذي صدر عنه نورٌ فائق.
مشهد [3]: صيِّبٌ كثيفٌ من نواحٍ متعدِّدة، ويبصِّرنا بذلك قوله: ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾
فكلمة ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ تصوِّر لنا أن الصَّيِّب ليس قليلاً محدودًا، بل هو صيِّب مخصوص كثيرٌ كثيفٌ، قد جاء مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الْجَوِّ المحيط مع علوه إِذَا قُلْنَا: إِنَّ التَّعْرِيفَ فِي (السَّمَاءِ) يستغرق جميع جوانب السَّماء التي يعيش تحتها هذا الفريق الذي يماثل المنافقين في تفكيره وحركته، فكلُّ أفق من آفاقها سماء.
مشهد [4]: الجمال والوبال:
فيبصِّرنا قوله: ﴿فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ﴾ بأن الهدى القرآنيَّ مثل الصَّيِّب، وهو الماء المصوَّب على الأرض ليغيث الأبدان والنفوس، وتصحبه ظلماتٌ كثيفة؛ لغزارته، وكثافته، وتعدُّد جهات نزوله، وبدلاً من رؤية الجمال الكلِّيِّ يرى المرضى الظلمات وبالاً عليهم.
فعن عبد الله بن الزبير ( أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: “سُبْحَانَ الَّذِي ﴿يُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ﴾ [الرعد:13]، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَدِيدٌ” (الأدب المفرد (723)، وصحَّح إسنادَه النووي في(خلاصة الأحكام 2/888) وابن حجر في (نتائج الأفكار 5/141).
مشهد [5]: صيِّبٌ مهدِّد!
المنافقون يرون في الصيب القرآني تهديدًا كما يرى السائرون في ظلمات الصَّيِّب المائي تهديدًا يظهر في الصَّواعق النازلة، فيحاول المنافقون التَّحصُّن بما يقدرون عليه من الاحتياطات، وقد اعتنقوا عقيدة استحوذت عليهم ملخَّصها أن أهمَّ التهديدات التي يخافون منها إنما جاءت من القرآن، ويبصِّرنا الله ( بكلِّ هذا في قوله: ﴿يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾ [البقرة: 19].
مشهد [6]: إحاطة غير قابلة للاختراق
الاحتياطات الأمنيَّة والمخابراتيَّة والعسكريَّة التي يتحصَّن بها المنافقون لا يمكن أن تحميهم من الإحاطة الإلهيَّة، ويبصِّرنا بذلك قوله: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].

مشهد [7]: البرق الخاطف
يظهر مشهد البرق الخاطف ﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ﴾ [البقرة: 20]، فالْبَرْقُ هو النُّور السَّريع القويُّ المنبعث في السَّماء، ويمثِّل النور القرآني، ولشِدَّة لمعانه يكاد يخطف أبصارهم؛ لأنهم لا يريدون أن يصلح الحياة، والخطف: الأخذ بسرعة وحِدَّة.
مشهد [8]: التَّلاعب المصلحيُّ
يصِّور لنا قوله تعالى:﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ﴾ [البقرة: 20]، أنهم إذا وجدوا في النُّور ما يزيدهم ظلمات، ويسوِّغ لهم المحرَّمات، ويحقِّق لهم الشَّهوة والشُّهرة قبلوه بصورةٍ مؤقتة، وخدعوا العالم بذلك.
مشهد [9]: القيام في الظَّلام
فالمنافقون ينظرون إلى القرآن نظرتهم إلى الظلام المخيف، ويبصِّرنا بذلك قوله جلَّ ذكره: ﴿وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ﴾ [البقرة: 20]، فإذا عارض أهواءَهم وشهواتِهم وحقدَهم وحسدَهم أظلم عليهم، فقاموا: أي ثبتوا ولم يسيروا في ضوئه؛ لأنهم لم يعودوا يرونه كالبرق، بل يجدون الظلمة في التعامل معه، ويعودون إلى ظلمهم كما يعيش هؤلاء في ظلماتهم.
مشهد [10]: النِّفاق: فنُّ المراوغة الحذرة
فالتمثيل المائي يُظهر الصِّنف المنافق المراوغ قلقًا حذرًا يحسب الحسابات المتعدِّدة، ويخاف أن يكتشف الآخرون حقيقته.
مشهد [11]: مشهد القوَّة المحيطة القادرة
﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ﴾ [البقرة: 20] تبصِّرنا بأنه لو شاء الله تعالى لحرمهم الانتفاع بحواسِّهم التي لم يستخدموها إلا الاستخدام الخاطئ، ولو شاء أن يهلكهم على إفسادهم لفعل.
مشهد [12]: القوَّة المطلقة القاهرة
ختم المشاهد بمشهد القوة المطلقة التي تبيِّن سبب المشيئة الكاملة النافذة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 20]، كما أنه يرسل الصَّواعق أحيانًا فتأخذ بعض خلقه، فلا يغرُّهم بقاؤهم أو تقلبُهم في البلاد، مع سفكهم للدِّماء، وإفسادهم في الأرض.
وقد تسأل: ما الحكمة في ختم الله تعالى الآية الأولى من المثل المائي بقوله: ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾، والثانية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾؟
الجواب: لتنبيه الذين بهرهم تقلُّب الكافرين والمنافقين، ونشرهم للكفر العالمي أن ذلك لا يعني قدرتهم على الخروج من ملك الله (، فالله محيط بهم، ولو أراد الله ( إهلاكهم لفعل فهو على كلِّ شي قدير، لكنه جعل ذلك وَفْقَ سُنَن كونيَّة بشريَّة.

أ.د/ عبد السلام المجيدي

وسيط تفسير سورة البقرة


الكلمات المفتاحية: جمال الكلمة القرآنية (22)