جنايات بحق البشرية (7)
8 يونيو، 2023
286
من أعظم جنايات أهل الضلالة والإضلال في التعدي على حقوق أنفسهم وعلى سائر البشرية
تزكية المجرمين في العالـم لنشر الفساد في الأرض
بعد أن عرَّف الله جل جلاله البشرية بالجنس القيادي الذي يمنع الحقوق الإنسانية، وجعل أهم أهدافه في الحياة أن يشتري الضلالة ويعمل على إضلال العالم، فضح هنا بعض جناياتهم الكبرى التي اقترفتها قياداتهم العلمية والسياسية في حق أنفسهم والعالـم (في الآيات:47-57، من سورة النساء)، ومنها:
الجناية السابعة: تزكيتهم للمجرمين في العالـم لنشر الفساد في الأرض.
ومع دخولها في الجناية السادسة (استخدام الكتب المقدسة لتسويق الأفكار الشيطانية، فيؤمنون بالجبت والطاغوت)، إلا أن المراد هنا صنف مخصوص ممن يتم تزكيتهم وهم مجرمو الوثنية، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51].
وهذه الجريمة تمثل الكفر العملي (التحالف مع الوثنيين ضد المؤمنين)، وتزكية مجرمي العالم لنشر الفساد في الأرض {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51]،
وهنا يبرز مدى تأثير أهل الكتاب على الوثنيين، وبدلًا من استغلال هذا النفوذ لتوجيههم إلى الخير استغلوه في السوء، وزادوا الوثنيين ضلالًا فوق الضلال بادعاء أنهم خير من المؤمنين في طرق حياتهم واعتقاداتهم وأفعالهم، ومن أمثلتهم الواقعية ما جاء عن ابن عباس قال:
لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش:
أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ قال:
نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه.
قال: فأنزلت: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3]، وأنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51] إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52] ، والصنبور: النخلةُ تخرج من أَصْلِ النخلةِ الأُخرى من غير أَن تُغْرَسَ، النخلة المنفردة من جماعة النخل، ورجل صُنْبُورٌ: فَرْد ضعيف ذليل لا أَهل له ولا عَقِب ولا ناصر.
وفي رواية عن السدي: قال:
لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من بني النضير ما كان، حين أتاهم يستعينهم في دية العامريَّين، فهمّوا به وبأصحابه، فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك.
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان:
يا أبا سعد، إنكم قوم تقرؤون الكتابَ وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم! فأخبرنا، ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه! قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم أنه بُعِث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء! وما نعلم مُلْكًا أعظم من ملك النساء!! فذلك حين يقول:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] .
إنهم الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يقومون على مر الزمان بحشد القوى والطاقات المجرمة عبر العالم لاستئصال المسلمين، فتخلوا عن مبادئ دينهم، وقاموا يزكون أكثر المجرمين خبثًا، وأسوأهم اعتقادًا ليسبغوا على أنفسهم الشرعية، وما زال فريق من الذين أوتوا الكتاب إلى اليوم يحزبون الأحزاب، ويجيشون الجيوش ضد المسلمين، ويسيرون على سنة الذين خلوا من قبلهم.
فقد خَرَجَ حُيَىُّ بْنُ أَخْطَبَ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ صَاحِبَ عَقْدِ بَنِى قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ كَعْبٌ أَغْلَقَ حِصْنَهُ دُونَهُ فَقَالَ:
وَيْحَكَ يَا كَعْبُ افْتَحْ لِى حَتَّى أَدْخُلَ عَلَيْكَ
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حُيَىُّ إِنَّكَ امْرُؤٌ مَشْئُومٌ وَإِنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِى بِكَ وَلاَ بِمَا جِئْتَنِى بِهِ إِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلاَّ صِدْقًا وَوَفَاءً وَقَدْ وَادَعَنِي وَوَادَعْتُهُ فَدَعْنِي وَارْجِعْ عَنِّي
فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنْ غَلَّقْتَ دُونِى إِلاَّ عَنْ جَشِيشَتِكَ أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا فَأَحْفَظَهُ فَفَتَحَ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ بِقُرَيْشٍ مَعَهَا قَادَتُهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهَا بِرُومَةَ وَجِئْتُكَ بِغَطَفَانَ عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهَا إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ جِئْتُكَ بِبَحْرٍ طَامٍّ لاَ يَرُدُّهُ شَىْءٌ
فَقَالَ: جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِالذُّلِّ وَيْلَكَ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ حَاجَةَ لِي بِكَ وَلاَ بِمَا تَدْعُونِي إِلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ حُيَىُّ بْنُ أَخْطَبَ يَفْتِلُهُ فِى الذِّرْوَةِ وَالغَارِبِ حَتَّى أَطَاعَ لَهُ وَأَعْطَاهُ حُيَىُّ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا لأَدْخُلَنَّ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ فَنَقَضَ كَعْبٌ العَهْدَ وَأَظْهَرَ البَرَاءَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِى هَذِهِ القِصَّةِ: أَنَّ حُيِيًّا لَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى شَأَمَهُمْ، فَاجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى الغَدْرِ عَلَى أَمْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ غَيْرَ أَسَدٍ وَأَسِيدٍ وَثَعْلَبَةَ خَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وهذه الوقائع لا تدل على أنها سبب نزول الآية بل الآيات شديدة الإحكام والاتصال، والسورة مدنية، ولعل ذلك وقع قرب معركة الأحزاب حيث تواطأ اليهود مع المشركين ولأنهم يزكون أنفسهم فهم يمنعون الناس من اتباع الحق، ويحاربون كل من يجهر به، بل يرمونه عن قوسٍ واحدة.
وتصدق هذه التزكية للمجرمين على بعض المسلمين المنحرفين، واسمع إلى ابن الزملكاني يبثك الآلام من صنف من الناس اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، فيقول: «قال بعض مشايخنا:
كأن هذه الآية فينا نزلت وقد طم البلاء وعم بسبب طمع العلماء في الحطام وصار المؤمن القابض على دينه معهم كالقابض على الجمر لأنهم قد تمكنوا من صدور الخلق لغلبة الجهل عليهم فهم المقتدى بهم والمنظور إليهم فهم عند الخلق علماء وفي الملكوت جهال فمن تمسك بالسنة بين ظهراني هؤلاء بعد تمكنهم من الرياسة ونفاذ القول في الخلق فقد بارزهم بالمحاربة لأن في تمسكه بها هتكًا لسترهم عند العامة وكشفًا لعوارهم ونشرًا لفضائحهم، فالمتمسك بالحق يرصدونه بالعداوة ويرمونه عن قوس واحدة ويقذفونه بالعظائم ومع ذلك حرمة الإيمان معهم فالأولى أن لا يعذبهم بل يرحمهم» .
وهذه الآية معجزة مبهرة، فهؤلاء القوم مع زعمهم الإيمان بإله واحد إلا أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وكثير منهم يعظم الشيطان ويحاول أن يستمد القوة منه، وينتج الأفلام المتعددة لإثبات ذلك وتسهيله وتزيينه على الخلق، وأما أنظمتهم الدينية والسياسية الفاسدة فإنهم إلى الآن يتحالفون مع الوثنيين ويقولون لهم: أنتم أهدى من المسلمين سبيلًا.
لم يتوقف تحالف الذين يشترون الضلالة مع الوثنيين في زمنٍ، فانظر له في عصر جنكيز خان كيف تحالف بوب الفاتيكان مع المغول الوثنيين على اجتياح بلاد الإسلام، وأرسلوا بعض بناتهم ليكن زوجات للقادة المؤثرين من المغول، فنتج من ذلك حلفٌ دَنِسٌ لتحالف المنحرفين من الذين أوتوا نصيبًا من الكتب الثلاثة مع الوثنيين ضد المسلمين.
وهذه الآيات تشير إلى النوازع النفسية الـمريضة التي تسببت في تدمير الأفراد والأمم، ولذا تراهم يشرعون لأنفسهم العبادات، والأعياد، والطقوس، وترى الـمنحرفين من أهل الكتب الثلاثة، يفعلون ذلك بصورةٍ صارخة ومأساوية.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء