المقالات

علم الاجتماع القرآني (2)

أ.د/ عبد السلام المجيدي

ما الآلية القرآنية المدهشة لمعالجة حالة الشقاق بين الزوجين؟

الآلية القرآنية التنظيمية لإصلاح العلاقة الزوجية …. {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]

نتأمل هنا في دلالة بعض ألفاظ الآية لنرى إشراقاتها البصائرية

﴿ فَابْعَثُوا﴾.. من الذي يبعث الحكمين؟

هذا الموضع من معجز القرآن، فلكي تحتمل الكلمة المحامل المختلفة اللائقة بها تأتي في القرآن المجيد مجملة؛ إذ الذي يبعث الحكم لإصلاح أوضاع الزوجين هو:

أولًا: الزوجان، فيجب أن ينتبه كل منهما لمقتضيات إسلامه، فإذا كانت الوسائل العلاجية الثلاث لنشوز المرأة لم تجد شيئًا فيمكن أن يكون الخلل من الزوج.. عندها يتفاهمان على أن يلجأ كل منهما إلى تحكيم فرد من جهته عسى أن يتوصلا إلى التعامل مع الإشكالات الواردة بينهما بما يعيد إلى كل منهما سكينته وسعادته.

ثانيًا: الحاكم أي الحكومة القائمة، وهو ما عبر عنه أهل التفسير بالسلطان، وهذا معناه بكل وضوح وجود مؤسسات أو وزارات خاصة بمتابعة حالة السعادة الأسرية والتماسك الأسري.

ثالثًا: يجوز أن يكون المخاطب كل فردٍ صالحٍ في المجتمع يخشى انهدام البيت الأسري، وخاصة أقارب الزوجين ومن له علاقة بهما، وهذا يعني إنشاء المنظمات الحكومية والمدنية القائمة على السعادة الأسرية، فهنا تتدخل الأسرة الكبيرة لحفظ الأسرة الصغيرة التي هي نواة المجتمع.

ثم انظر إلى التنظيم الدقيق الذي توفره المعرفة القرآنية، حيث يقول الله -جل مجده: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾:

فاشترط أن يكون الحكمان من أهله وأهلها؛ لأنهما سيكونان أحرص على لم الشمل، وجمع الأسرة، والنظر إلى ما هو الأصلح لكل من الزوجين والأطفال بعيدًا عن الانفعالات الغاضبة، والأحاسيس المتألمة، كما أنهما المؤتمنان على أسرار الزوجين.

ويوضع للحكمين لائحة تنظيمية لعملهما أساسها قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، والضمير يعود على الزوجين أي إن يُرِدِ الزوجان إصلاحًا يوفق الله بينهما من خلال الحكمين، ويصح أن يعود على الحكمين، ليجددا نيتهما في الإصلاح بين الزوجين، ويظهرا رغبتهما الصادقة في المحافظة على هذا الكيان الأسري، أو يخففا من الآثار السيئة لتفرقه.

وكلمة ﴿حَكَمًا﴾ هل تدل على القضاء؟

نعم تدل على القضاء، ولكن أهل التفسير بينوا بأن التحكيم هنا لا يدل على الإلزام التام، فإما أن يستوثق الحكمان التنفيذ من قبل الزوج والزوجة فيما سيصلان إليه، وإما ألا يستوثقا ذلك وهنا لا بد من تدخل السلطات القضائية للفصل في الأمر، وقد يكون الفصل هو الطلاق ويكون خيرًا من البقاء، إن رأى الحكمان أن البقاء قد يؤدي إلى تدمير شامل للأسرة نفسيًا واجتماعيًا.

فإذا اجتمع الحكمان وأرادا إصلاحًا وفق الله بينهما، والإصلاح قد يكون بعودة الأمور بين الزوجين إلى نصابها وفق شروط محددة، وقد يوصي الحكمان بالتفريق بينهما، فعن عبيدة قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاقٌ إلى علي رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فِئام من الناس، فقال علي : ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها. ثم قال للحكمين: تدرِيان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرِّقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله، بما عليَّ فيه ولي. قال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال علي h: كذبتَ والله، لا تنقلب حتى تقرَّ بمثل الذي أقرَّت به [1].

ولكن الفرقة لا تكون بأيديهما إلا أنهما يوصيان بها إن وجدا أن ذلك هو الأصلح لهما، وبذا نجمع بين هذا القول، وقول من قال: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما، فإن سألت عن كيفية ذلك فاعلم أن الطبري $ بينها فيما رواه عن قيس بن سعد قال: وسألت عن الحكمين، قال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائزٌ، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال: يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: «اصدقني ما في نفسك». فإذا صَدق كل واحد منهما صاحبه، اجتمع الحكمان، وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقًا: «لتصدقني الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي»، فذاك حين أرادا الإصلاح، يوفق الله بينهما. فإذا فعلا ذلك، اطَّلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه إليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عليه فحكما عليه. فإن كانت المرأة قالا: «أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحق وتطيعي الله فيه». وإن كان الرجل هو الظالم قالا «أنت الظالم المضارّ، لا تدخل لها بيتًا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحق والعدل». فإن أبت ذلك كانت هي الظالمةَ العاصيةَ، وأخذ منها ما لها، وهو له حلال طيب. وإن كان هو الظالمَ المسيءَ إليها المضارَّ لها طلقها، ولم يحلّ له من مالها شيء. فإن أمسكها، أمسكها بما أمر الله، وأنفق عليها وأحسن إليها [2].

ومن أمثلة ذلك ما رواه ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة ابنة عتبة، فكان بينهما كلام. فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقنَّ بينهما! وقال معاوية: ما كنت لأفرّق بين شيخين من بني عبد مناف! فأتياهما وقد اصطلحا [3].

ولا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضى المرأة، ولهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرفا الظالم منهما من المظلوم، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما [4].

وتعال معي إلى الآية لتسمع الله جل وعلا يقول هنا: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ فربما تساءلت عن سبب عدم ذكر الطلاق..

هنا الجمال في الحكم القرآني، فاجتماع الحكمين ينبغي أن يكون هدفه الإصلاح، والإصلاح يتم بمحاولة التوفيق بين الزوجين، وإن كان قد يكون الطلاق من الإصلاح للطرفين، ولكن السورة قائمةٌ على بث الحياة الإنسانية وذلك يعني التواصل والائتلاف دون التباعد والاختلاف، وعلى التواصل والتواد دون التفاصل والتراد [5].


[1] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 320).

[2] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 323).

[3] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 328).

[4] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 331).

[5] نظم الدرر5/276.