كيف تستمتع بالصلاة؟… حقوق الصلاة الأساسية حسب سورة النساء
15 يناير، 2023
277
حثنا الله تعالى على الاستمتاع الحقيقي بالصلاة؛ لأنها تمنع حالة السكر العقلي المدمر، وتحمي من الوقوع في خطيئة منع الحقوق الإنسانية، وذلك بتعظيم الصلاة وأماكنها، فالصلاة المعظمة من أقوى أسس بث الحياة الإنسانية (النساء:43)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]
للتمكن من الاستمتاع بالصلاة ذكر الله حقوقها الأساسية هنا، وهي:
الحق الأول: يجب أن نعظم الصلاة بعدم قربانها إلا بوعيٍ حاضرٍ.
ويُبَصِّرُنا بذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء:43).
﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ أي: لا تقوموا بأداء الصلاة حتى تعلموا ما تقولون، ولماذا اختير فعل القرب؟ فقيل: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾ الجواب: لتحقيق أمرين:
الأول: أن يكون قد استفاق تمامًا قبل الصلاة بوقتٍ كافٍ وليس بعد أن يدخل فيها.
الثاني: سيتضح عندما نكمل الجملة، فاسمع لها: لا تقربوا الصلاة.. هذه جملة لها وقع رهيب في النفس؛ إذ كيف يتم النهي عن قربان الصلاة، وهي أعظم أعمال الإسلام، فلما قال: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ أدركت سبب النهي؛ فلم يقل لا تصلوا لبيان منافاة حالة السكر لها، وبشاعتها؛ إذ تسبب الابتعاد عن الصلاة، فيولد ذلك في نفس الإنسان ترك السكر بالكلية.
ولَفْظ الصَّلَاةِ يحتمل أن يكون المراد به الصلاة ذاتها، ولذا جعلنا الحق الأول للاستمتاع بالصلاة ألا يقربها الإنسان إلا بوعيٍ حاضر، ولكن ما هذه الحالة التي يمنع الإنسان فيها من قربان الصلاة؟
إنها حالة السكر، وقد جعل بعض أهل العلم الآية تنطبق على السكران بالخمر، والسكران بالنوم أي من كان يغشاه نومٌ ثقيل، وهنا نعلم لماذا قال الضحاك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ليست لمن يقربها سكران من الشراب، إنما عُنِي بها سكر النوم [1]، ويؤيد هذا ما جاء عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لاَ يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ، فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» [2]، والذي يظهر بوضوحٍ أن المراد بالسكر حقائقه العرفية والشرعية واللغوية، وهو ما كان سببه الخمر وكل شيء يغطي العقل مثل المخدرات، ويلحق به إغلاق العقل بالنوم..
إن حق الصلاة، وحق العبادة الاستمتاع بها ألا تُؤدَى إلا بوعي حاضر أقل أحواله أن يعرف الإنسان ما يقول، وإلا فكيف يجد سعادته أو متعته فيها، ومما يدل على تحديد معناها سبب نزولها، فعن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني، فقرأت: قل أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾[3].
أ.د/ عبد السلام المجيدي
[1] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 377).
[2] صحيح البخاري حسب ترقيم فتح الباري (1 / 63).
[3] سنن الترمذي (5 / 238)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.