لماذا أَخَّرَ الله عقوبةَ أكل مال اليتيم إلى الآية العاشرة {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] ولم يجعله مقترنًا بحقوق اليتامى في أول السورة؟
7 نوفمبر، 2022
7960
ذلك أسلوب قرآني بديع يجعل العقل يرتع في رياض إعجازه ويطير في سماء بيانه ليأتي من تلك الرياض بالأزهار العبقة ومن تلك السماء بالأضواء الساطعة فيجد العقلاء ما يروي عطشهم والعلماء ما يشبع نهمهم،
وهنا جعل الله سبحانه وتعالى هذه الآية في مكان لا تملك عند تدبرك إلا أن تقف إجلالا لترتيب الآيات،
فالله سبحانه وتعالى أراد وضع قوانين منظومةٍ تشريعيةٍ متكاملةٍ تأخذ بعض أحكامها بأيدي بعض هذا أولا.
ثانيا- كي يُشرِفَ المجتمع بحكامه وبمؤسساته الحكومية والمدنية على تنفيذ هذه القوانين من حقوق النساء والصغار وإقامة حقوق اليتامى والسفهاء، فبعد أن قرر التشريعات القانونية، ونبه في الآية السابقة إلى ضرورة الانتباه إلى الحسابات المستقبلية فقال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] ينبه هنا إلى العقوبات الأخروية..
فإن تلاعب أحدهم بالحقوق قضاءً، واستطاع التحايل على الناس، وعلى القوانين فلن يتمكن من التلاعب بها ديانة، ولا الهروب من مراقبة الحسيب العظيم لنياته وأفعاله ووساوسه.. فليعلم بأنه لن يفوت الله، جل شأنه، ولن يعجزه ولن يسبقه ولن يغلبه جل في علاه، فهناك عقوبة غيبية ربما تناله في الدنيا، وإلا جاءته في الآخرة،
وناسب ذكر العقوبة هنا ضمن القوانين العامة للحقوق والميراث لتأكيد حقوق اليتامى فيه، وزجر من يفكر بأي تلاعبٍ أو احتيال، ولذا سمعت الله – جلَّ وعلا – بعد الخطاب عن القوانين العامة المباشرة التنفيذية يذكر عقوبة من سيتلاعب بكل القوانين السابقة فيقول هنا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]،
وينبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية استحضار عدم الهرب من التبعات ديانةً لمن كان من الدهاة واستطاع التلاعب قضاءً، فيقول: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا».
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء