ما الأسس التي تحدد لنا الصنف الذي يمنع الإنسانية من حقوقها، ويحارب الإدارة الراشدة، ويحرص على تدمير البشرية باللغو في الرسالة الإلهية؟
12 فبراير، 2023
335
بعد ذكر الحقوق الإنسانية العامة والخاصة يذكر الله تعالى في المحور الرابع من سورة النساء
تعريفا بالصنف القيادي الأول الذي يمنع الإنسانية من حقوقها، ويحارب الإدارة الراشدة، ويحرص على تدمير البشرية باللغو في الرسالة الإلهية (النساء:44-46)
آيات هذا القسم:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:44-46).
حدد الله لنا الصنف القيادي الذي يتلاعب بحقوق الناس تحديدًا دقيقًا من خلال ذكر أهدافه وجنسه وصفاته، ويمكن أن نجمع هذه المعالم التي تشكل تفصيلًا مبينًا لهذا الصنف في الأسس الآتية:
الأساس الثاني:
الجنس القيادي ينتمي إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، وهم حقيقة عرفية قرآنية في اليهود والنصارى، ويلحق بهم المسلمون، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى جده: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ فيدخل جميع من أوتي نصيبًا من الكتاب.
لأن (ال) إما أن تكون عهدية، والـمعهود بهذا التعبير اليهود والنصارى، وإما أن تكون جنسية، فتشمل من أوتي أي كتاب ديني، يتم من خلاله التحكم بالعقول البشرية، وقيادة الرأي العام -كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان-، فالتعبير وإن لمس واقع الـمحرفين من اليهود والنصارى، لكنه عند التأمل يشمل الـمحرفين من الـمسلمين. إنهم ليسوا أناسًا من العامة، بل هم قوم عندهم شيء من علم الكتاب.. فما المراد بكلمة ﴿الْكِتَابِ﴾؟
يذكر المفسرون أن المراد هو التوراة، وبعضهم يضيف الإنجيل، ولكن التعبير القرآني واضح جدًا، فهو يذكر الكتاب هنا مطلقًا، ثم يذكر بدل بعضٍ من كل في قوله بعد ذلك: ﴿من الَّذِينَ هادوا﴾، وبذا نفهم أن كلمة ﴿الْكِتَابِ﴾ تشمل جميع من أوتي نصيبًا من الكتاب.. أي كتاب ديني يتم من خلاله التحكم بالعقول البشرية، وقيادة الرأي العام، فيدخل فيه الذين أوتوا نصيبًا من الكتب الإلهية المعروفة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ويدخل فيه الذين أوتوا نصيبًا من الكتب الدينية الأخرى.. فكلهم يأخذون هذا الحكم المحذر منهم، والمنوه لهم إن هم حققوا الصفة الخطيرة التي يذكرها الله في قوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (النساء: 44)، وإن كان المعهود العرفي لهم يخص من أوتي نصيبًا من التوراة والإنجيل، إلا أن من أوتي نصيبًا من القرآن داخل إما بدلالة اللفظ أو بدلالة معناه قياسًا.
وينبغي التنبيه هنا إلى وصفهم بأنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب لا يعني الاقتصار على القيادات الدينية بل المراد الانتماء إلى هذا الجنس الذي أوتي نصيبًا من الكتاب، وقد يكونون من القيادات السياسية أو المجتمعية، وكثير منهم يتلاعبون بالحقوق العالمية، ويتاجرون بقضايا المستضعفين، ويعبثون بأمن الشعوب الحائرة أطفالًا ونساء ورجالًا.
وهل يلحق بهم من أوتي نصيبًا من الكتاب بمعنى الكتابة مثل الملحدين الذين أوتوا ذكاء في بعض العلوم وغباء منقطع النظير في الفهم للمعلوم أو قل عنادًا وإصرارًا على إنكار البديهيات والحقائق القطعية؟
أما في العرف القرآني فلا يدخلون، وأما في العرف العام فيحتمل.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء