ما الأسس التي تحدد لنا الصنف الذي يمنع الإنسانية من حقوقها، ويحارب الإدارة الراشدة، ويحرص على تدمير البشرية باللغو في الرسالة الإلهية؟
14 فبراير، 2023
311
بعد ذكر الحقوق الإنسانية العامة والخاصة يذكر الله تعالى في المحور الرابع من سورة النساء
تعريفا بالصنف القيادي الأول الذي يمنع الإنسانية من حقوقها، ويحارب الإدارة الراشدة، ويحرص على تدمير البشرية باللغو في الرسالة الإلهية (النساء:44-46)
آيات هذا القسم:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:44-46).
حدد الله لنا الصنف القيادي الذي يتلاعب بحقوق الناس تحديدًا دقيقًا من خلال ذكر أهدافه وجنسه وصفاته، ويمكن أن نجمع هذه المعالم التي تشكل تفصيلًا مبينًا لهذا الصنف في الأسس الآتية:
الأساس الثالث:
تقوم ثقافتهم وعقيدتهم (أيدلوجيتهم) على نصيبٍ من الكتاب يتلاعبون به، ويُبَصِّرُنا بذلك أن كلمة (نصيب) تكررت في هذه السورة اثنتي عشرة مرة؛ لعلاقتها الوثيقة بالجانب الحقوقي، وهي هنا تدل على مدحٍ وذم، فالمدح أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، وليسوا مستغرقين في الجهل كغيرهم، والمتوقع أن تكون ردة فعلهم بناء على تقدمهم العلمي في أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب، والذم أن هؤلاء لم يحفظوا الكتاب كله، بل تركوا نصيبًا أو أنصبة، والذي تركوه نوعان:
النوع الأول: نوعٌ معدومٌ بسبب أنه لم يصل إلى العالـم؛ لتضييع القائمين عليه له، فلَمْ يَقُلْ -تَعَالَى جده-: إِنَّهُمْ أُوتُوا عِلْمَ الكِتَابِ، بَلْ قَالَ: ﴿ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا شيئًا من العلم، ولم يرسخوا فيه، ونبذوا العمل بمقتضياته، فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْلَمُوا -كَعَبْدِ اللَّه بْنِ سَلَامٍ- وَعَرَفُوا الأَمْرَيْنِ، فَوَصَفَهُمُ اللَّه بِأَنَّ مَعَهُمْ عِلْمَ الكِتَابِ، فَقَالَ: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43]، ويستثنى من هذا النوع الـمعدوم هنا القرآن؛ للحفظ الـمعجز الذي صاحب نصه -بفضل الله ورحمته-.
النوع الثاني: نوعٌ موجودٌ، ولكنهم لم يعملوا به، أو لم يشهروه؛ بسبب أنهم اقتصروا على العمل بما اشتهوه منه، ولذا وصف الله بعضهم في سورة المائدة بنسيان حظٍ من الكتاب ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ (المائدة: 13)، والنسيان بمعنى الترك، فهنا وصفهم بأنهم أوتوا نصيبًا، وهناك وصفهم بأنهم نسوا حظًا، وكلا الآيتين توضحان الصورة الكاملة لهم، ويقاس عليهم من عنده علم الإنجيل، أو علم القرآن وسلك مسلكهم، ويلحق بهم -لا بمقتضى هذا النص، ولكن بمقتضى المعنى المستفاد منه- من أوتوا حظًا من الكتاب الدنيوي كالثقافة والعلوم ولكنهم يقومون بتحقيق هذين الهدفين الإفساديين ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء