ما التحذير الذي يحمله قوله تعالى {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] للبشرية؟
4 نوفمبر، 2022
437
تتضمن الآية تحذير الناس من التعدي على الـمستضعفين من الرجال والنساء، والأطفال، والسفهاء، والـموصى لهم، في مسائل الإرث وغيرها.
فهذا أمرٌ من الله -جلَّ شأنه- للناس أن يحسُبوا حساب الأحداث الـمستقبلية لأولادهم، فيتعاملوا مع غيرهم ممن هم مستضعفون بالنسبة لهم أي أقل منهم مالًا أو مكانة كما يحبون أن يُتعامل مع أولادهم،
فالخطاب لكل ذي مكانة وجاهٍ وسلطان، ومنهم الأوصياء وولاة الحقوق، والحكومات المسؤولة عن الناس بل يشمل كل من له تأثيرٌ على القرار فيها،
وقد روى يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني الحميري ابن عم الأوزاعي قال:
كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الـملك، وفينا (عبد الله) بن محيريز الجمحي و(عبد الله) ابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم الكناني، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان.
قال: فضقت ذرعًا بما سمعت. قال:
فقلت لابن الدَّيلمي: يا أبا بشر، بودِّي أنه لا يولد لي ولدٌ أبدًا! قال، فضرب بيده على مَنْكبي،
وقال: يا ابن أخي، لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء، وإن أبى.
قال: ألا أدلّك على أمرٍ إنْ أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم اللهُ فيك؟
قال: قلت: بلى! قال: فتلا عند ذلك هذه الآية .
وهذا التذكير المزلزل المخوف حتى لا يتطامن الناس إلى ما هم فيه من عيش مريحٍ مترف فيتجرأوا على ظلم غيرهم، ولا يأخذ بعضهم على أيدي بعضٍ، فينهون بعضهم بعضًا عن الظلم؛ فإلف القبيح مفسدة للدين والعقل ومذهبة للأمن على المدى البعيد؛ إذ إن اعْتِيَادَ السُّوءِ يُنْسِي قبحه حتى تراهم يتباهون في عمله مثل التباهي على إيذاء ضعيف، أو التفاخر بظلم مسكين،
فأراد الله -تعالى ذكره- أن يبين لهم أن ما حل بغيرهم قد يحل بهم فليتقوا الله وليقولوا قولًا سديدًا، ولا يركنوا إلى ما هم فيه من نعيم واطمئنان وترف.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء
(112)