جنايات بحق البشرية (8)
16 يوليو، 2023
370
(من أعظم جنايات أهل الضلالة والإضلال في التعدي على حقوق أنفسهم وعلى سائر البشرية)
جر العالم إلى دائرة استحقاق اللعن الإلهي
بعد أن عرَّف الله جل جلاله البشرية بالجنس القيادي الذي يمنع الحقوق الإنسانية، وجعل أهم أهدافه في الحياة أن يشتري الضلالة ويعمل على إضلال العالم، فضح هنا بعض جناياتهم الكبرى التي اقترفتها قياداتهم العلمية والسياسية في حق أنفسهم والعالـم (في الآيات:47-57، من سورة النساء)، ومنها:
الجناية الثامنة: جر العالم إلى دائرة استحقاق اللعن الإلهي بسبب الجرائم السابقة. ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52].
فهذا سبب وجزاء في الوقت ذاته، فهم ذوو شعارٍ شهوانيٍّ متمرد، وأصحاب أطماعٍ متكبرةٍ لا تنتهي، وأهل أهواءٍ منحرفة لا تعتدل، وأسرى أحقادهم التي لا تزول.
فهذا سبب وجزاء في الوقت ذاته.. إذ تتعجب: لماذا هذا الموقف الغريب من القيادات اليهودية؟
ماذا تقول في قوم متلاعبين وصل إجرامهم وفسقهم أن يستحقوا أن يجبههم الله باللعن، ويحرمهم من النصير؟ «إنهم ذوو أطماع لا تنتهي، وذوو أهواء لا تعتدل، وذوو أحقاد لا تزول» [1].
و﴿نَصِيرًا﴾ هنا نكرة فتشمل كل نصير مهما قل نصره، وربما تقول: لكننا نرى لهم نصيرًا ممن وصلهم بحبله من الناس.
ربما ستقول: لكننا وجدنا نصيرهم اليوم في العالم يفوق كل نصير، ورأينا التحالفات الاستراتيجية تتسابق إليهم إلى النخاع مما أوجد لهم حالة العلو الكبير، فكيف النظر في الآية؟
والجواب: ذلك عائدٌ لسنة أخرى هي سنة تداول الأيام، فقد قال الله عن هذه السنة الكلية: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140]، والقول المختصر لبيان ذلك: أن الذي أصيب بلعنة الله فلن تجد له نصيرًا في الدنيا ولا في الآخرة، وفي الآخرة الأمر واضح، وأما في الدنيا فقد يقابله من استحق لعنة أيضًا لتلاعبه بالكتاب الذي أوتيه، وحين ذلك يتقابل فريقان: كلاهما مصابٌ بمقت الله، فينتصر الأكثر ذكاء لكن ذلك لا يعني وجود نصيرٍ له ينجيه من عذاب الآخرة، وفي بدائع السلك في طبائع الملك للأصبحي الأندلسي: أن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في رسالة طويلة «أما بعد: فإني آمرك، ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله؛ ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لم ننصر عليهم بفضلنا، ولم نغلبهم بقوتنا، وفي كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء للكلاعي، ومجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة للآبادي للهندي، وغيرهما، أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح: من عبد الله عمر – أمير المؤمنين – إلى أبي عبيدة بن الجرّاح: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله المشركين، ونصره المؤمنين، وما صنع الله لأوليائه وأهل طاعته، فأحمد الله على صنيعه إلينا، واستتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوّكم بعدد، ولا عدّة، ولا حول، ولا قوة، ولكنه بعون الله، ونصره، ومنّه، وفضله.
وانظر لجمال موقع ﴿ أُولَئِكَ ﴾ لترى أن الله يشير إليهم وكأنك تشاهدهم، فموقع اسْمِ الإِشَارَةِ هُنَا -كما يقول الطاهر بن عاشور- فِي نِهَايَةِ الرَّشَاقَةِ، لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَصْفِ حَالِهِ هَذَا المَبْلَغَ صَارَ كَالمُشَاهَدِ، فَنَاسَبَ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنْ يُشَارَ إِلَى هَذَا الفَرِيقِ المُدَّعَى أَنَّهُ مَرْئِيٌّ، فَيُقَالُ: ﴿أُولَئِكَ﴾.
ولتجدن اللعن الإلهي لفساق بني إسرائيل منتشرًا في الكتاب المقدس.
ففي إرمياء 17:
5 وقالَ الرّبُّ: «مَلعونٌ مَنْ يتَوكَّلُ على الإنسانِ ويَجعَلُ البشَرَ سنَدًا لَه. ويَصرِفُ قلبَهُ عَنِ الرّبِّ. 6 فيكونُ مِثلَ النَّبْتِ في الصَّحراءِ، وَلا يَرى الخيْرَ إِذا أَقبَلَ يَسكُنُ الفَلاةَ الشَّديدةَ الحَرِّ والأرضَ المالِحةَ التي لا تُسكَنُ. 7 مُبارَكٌ مَنْ يَحتَمي بِالرّبِّ ويَجعَلُ الرّبَّ مَأْمَنًا لَه. 8 فيكونُ كشجرَةٍ مَغروسةٍ على المياهِ، وعِندَ النَّهرِ تَمُدُّ جذورَها. لا تَرى الحَرَّ إذا أقبَلَ، بل يَبقى ورَقُها أخضَرَ. وفي سنَةِ القَحْطِ لا تَخافُ ولا تَكُفُّ عَنِ الإثمارِ. 9 القلبُ أخدَعُ الأشياءِ وأخبَثُها فمَنْ يَعرِفُهُ؟ 10 أنا الرّبُّ أفحَصُ نيَّاتِ القُلوبِ وأمتَحِنُ مشاعِرَ البشَرِ، فأُجازي الإنسانَ بِحسَبِ طُرُقِهِ، بِحسَبِ ثمَرَةِ أعمالِهِ
وفي سفر التثنية 27:
14 فَيُصَرِّحُ اللاَّوِيُّونَ وَيَقُولُونَ لِجَمِيعِ قَوْمِ إِسْرَائِيلَ بِصَوْتٍ عَال:
15 مَلْعُونٌ الإِنْسَانُ الَّذِي يَصْنَعُ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا أَوْ مَسْبُوكًا، رِجْسًا لَدَى الرَّبِّ عَمَلَ يَدَيْ نَحَّاتٍ، وَيَضَعُهُ فِي الخَفَاءِ. وَيُجِيبُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَيَقُولُونَ: آمِينَ.
16 مَلْعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
17 مَلْعُونٌ مَنْ يَنْقُلُ تُخْمَ صَاحِبِهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
18 مَلْعُونٌ مَنْ يُضِلُّ الأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
19 مَلْعُونٌ مَنْ يُعَوِّجُ حَقَّ الغَرِيبِ وَاليَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
20 مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجعُ مَعَ امْرَأَةِ أَبِيهِ، لأَنَّهُ يَكْشِفُ ذَيْلَ أَبِيهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
21 مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجعُ مَعَ بَهِيمَةٍ مَّا. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
22 مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجِعُ مَعَ أُخْتِهِ بِنْتِ أَبِيهِ أَوْ بِنْتِ أُمِّهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
23 مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجعُ مَعَ حَمَاتِهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
24 مَلْعُونٌ مَنْ يَقْتُلُ قَرِيبَهُ فِي الخَفَاءِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
25 مَلْعُونٌ مَنْ يَأْخُذُ رَشْوَةً لِكَيْ يَقْتُلَ نَفْسَ دَمٍ بَرِيءٍ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
26 مَلْعُونٌ مَنْ لاَ يُقِيمُ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهَا. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.
وفي التثنية11:
26 اُنْظُرْ. أَنَا وَاضِعٌ أَمَامَكُمُ اليَوْمَ بَرَكَةً وَلَعْنَةً:
27 البَرَكَةُ إِذَا سَمِعْتُمْ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا اليَوْمَ.
28 وَاللَّعْنَةُ إِذَا لَمْ تَسْمَعُوا لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكُمْ، وَزُغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكُمْ بِهَا اليَوْمَ لِتَذْهَبُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا.
وفي سفر إرميا44:
2 «هكَذَا قَالَ رَبُّ الجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي جَلَبْتُهُ عَلَى أُورُشَلِيمَ، وَعَلَى كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا، فَهَا هِيَ خَرِبَةٌ هذَا اليَوْمَ وَلَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ،
3 مِنْ أَجْلِ شَرِّهِمِ الَّذِي فَعَلُوهُ لِيُغِيظُونِي، إِذْ ذَهَبُوا لِيُبَخِّرُوا وَيَعْبُدُوا آلِهَةً أُخْرَى لَمْ يَعْرِفُوهَا هُمْ وَلاَ أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ.
4 فَأَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ كُلَّ عَبِيدِي الأَنْبِيَاءِ مُبَكِّرًا وَمُرْسِلًا قَائِلًا: لاَ تَفْعَلُوا أَمْرَ هذَا الرِّجْسِ الَّذِي أَبْغَضْتُهُ.
5 فَلَمْ يَسْمَعُوا وَلاَ أَمَالُوا أُذْنَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ شَرِّهِمْ فَلاَ يُبَخِّرُوا لآلِهَةٍ أُخْرَى.
6 فَانْسَكَبَ غَيْظِي وَغَضَبِي، وَاشْتَعَلاَ في مُدُنِ يَهُوذَا وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ، فَصَارَتْ خَرِبَةً مُقْفِرَةً كَهذَا اليَوْمِ.
7 فَالآنَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ الجُنُودِ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ: لِمَاذَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ شَرًّا عَظِيمًا ضِدَّ أَنْفُسِكُمْ لانْقِرَاضِكُمْ رِجَالًا وَنِسَاءً أَطْفَالًا وَرُضَّعًا مِنْ وَسْطِ يَهُوذَا وَلاَ تَبْقَى لَكُمْ بَقِيَّةٌ؟
8 لإِغَاظَتِي بِأَعْمَالِ أَيَادِيكُمْ، إِذْ تُبَخِّرُونَ لآلِهَةٍ أُخْرَى فِي أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي أَتَيْتُمْ إِلَيْهَا لِتَتَغَرَّبُوا فِيهَا، لِكَيْ تَنْقَرِضُوا وَلِكَيْ تَصِيرُوا لَعْنَةً وَعَارًا بَيْنَ كُلِّ أُمَمِ الأَرْضِ.
9 هَلْ نَسِيتُمْ شُرُورَ آبَائِكُمْ وَشُرُورَ مُلُوكِ يَهُوذَا وَشُرُورَ نِسَائِهِمْ، وَشُرُورَكُمْ وَشُرُورَ نِسَائِكُمُ الَّتِي فُعِلَتْ فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ؟
10 لَمْ يُذَلُّوا إِلَى هذَا اليَوْمِ، وَلاَ خَافُوا وَلاَ سَلَكُوا فِي شَرِيعَتِي وَفَرَائِضِي الَّتِي جَعَلْتُهَا أَمَامَكُمْ وَأَمَامَ آبَائِكُمْ.
11 لِذلِكَ هكَذَا قَالَ رَبُّ الجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا أَجْعَلُ وَجْهِي عَلَيْكُمْ لِلشَّرِّ، وَلأَقْرِضَ كُلَّ يَهُوذَا.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء
[1] في ظلال القرآن (2/ 681).