{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]
ما القانون الذي يتعلق بحق الـمجتمع في الإرث؟
ولماذا كرره الله تعالى أربع مرات في آيتين؟
4 نوفمبر، 2022
252
في أثناء الكلام عن الإرث ذكر الله تعالى قانونا يتعلق بحق الـمجتمع في الإرث.
ويُبَصِّرُنا به قوله جل مجده:
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]:
تكرر هذا القانون أربع مرات في آيتين؛
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]، {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 12] {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ } [النساء: 12] {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]
وذلك لتتم الـموازنة التامة، وتظهر العدالة الحقيقية في النظر إلى حقوق الورثة من جهة، وحقوق الـمجتمع الذي يضم غير الورثة من جهةٍ أخرى، فذكر الله جل وعز حقَّين للمجتمع:
الحق الأول: حق أصحاب الديون، وهو الذي يجب أن يُبتدأ به؛ لأن لأصحاب الديون فضلًا حقيقيًا واضحًا على الـميت، وأقل ما يجب نحو فضلهم رد أموالهم إليهم، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم القيمة الكبرى للدين في الذمة الإنسانية، مهما بلغت أعمالها الصالحة، وألزم الدولة بأدائه؛ إن لم يتمكن الورثة من أدائه؛ فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ.. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَك شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، وعَنْ أَبِى قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ: «أَنَّ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ». فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ قُلْتَ». قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّى خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلاَّ الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ ڠ قَالَ لِي ذَلِكَ».
إن الدين ذمة عظيمة في الرقبة الإنسانية يمثل حقًا غير مقضي لإنسانٍ آخر، وحقوق البشر قائمة على المشاحة، وحقوق الله قائمة على المسامحة، والسورة قائمة على بث الإنسانية في الأرض، وتقسيم حقوقها فيما بينها بالقسط، ولذا لا بد أن يؤدى الدين أولا قبل توزيع الميراث.
وأما الحق الثاني: حق المجتمع غير الوارث من الذين خصهم الميت بالوصية:
فجعل الله الموصى لهم شركاء الورثة فيما بقي بعد قضاء الدين، ما لم تجاوز الوصية الثلث، وذلك لبقاء العدالة قائمة، وعدم إغفال الأقارب الذين تتكون منهم الأسرة المتماسكة التي تسعد المجتمع، فإن جاوز ذلك ثلثه، جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو ردِّه إلى ورثته: إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك، وإن شاءوا ردوه، فأما ما كان من ذلك إلى الثلث، فهو ماضٍ عليهم.. هكذا قال الله جل في علاه مقررًا هذا القانون العظيم:
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.
أ.د/ عبد السلام المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء
(128)