نحو فهم أعمق لقوله تعالى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:59)
28 أغسطس، 2023
989
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]
نحو فهم أعمق لقوله تعالى ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:59)
فمن هم ولاة الأمر على التحقيق؟ ولماذا قال أولي الأمر ولم يقل ولي الأمر؟
لقد ذكر الله تعالى هنا الرجوع إلى أولي الأمر الـمستنبطين من القرآن والسنة أصالة، أو نيابة، ويذكر الله ذلك في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء:59)
والمقصود بهم أهل الحل والعقد الذين تكون لهم السلطات العليا في البلد المسلم، ويضمون السلطة التشريعية والرقابية والقضائية، ويتقدمهم العلماء وذوو العقل والفقه ودين الله كما يقول مجاهد، وعنهم تنبثق تولية الأمراء والقيادات التنفيذية التي تدير مصالح الأمة.
فلم يقل ولي الأمر بل وأولي الأمر منكم فمن هم أولو الأمر المذكورون في الآية؟
الأَمْرُ المُشَارُ إِلَيْهِ هنا هو ذاته الأمر فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] فذهب بعضهم إلى أنهم العلماء، وذهب آخرون إلى أنهم الحكام والأمراء، واسمع لمجاهد يصفهم فيقول فيهم: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وربما قال: أولي العقل والفقه ودين الله ، فاجمع كلامه لتجده عنى أنهم أولو العقل والفقه ودين الله، ومثل لهم بأصحاب النبي.
وعند الجمع بين هذه الأقوال تجد النور في فهمهم للآية؛ إذ معنى ذلك أن أولي الأمر ابتداء هم أهل الحل والعقد وهم الذين تكون لهم السلطات العليا في البلد المسلم، ويتكونون من العلماء وذوي العقل والفقه ودين الله كما يقول مجاهد.. هذا يعني:
أن الصفات الأساسية لهم: قوة العارضة العقلية، والاستقامة السلوكية، ويكون أساسهم العلماء العاملون، كما يوجد فيهم الخبراء من جميع التخصصات، وآلية اختيارهم قد تكون بالتزكية والشهرة بين الناس كما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرون المفضلة، وقد تكون بالانتخاب المقيد بشروط محددة في المنتخبين، وهذه الآلية أنسب لواقعنا وعصرنا الذي بعد عن عهد النبوة، وبتكون هذه السلطة التشريعية الرقابية يتم اختيار السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، ثم تكون السلطات الثلاث النظام العام الذي يجتهد على حراسة المجتمع وسياسة الدنيا بالمنهج الذي ارتضاه الله للبشرية. وقد تم تطبيق هذا التصور في القرون المفضلة ولكن وفق تفصيلات مختلفة، وصور متعددة مع حدوث خلل جزئي كلما ابتعد الزمان عن عهد النبوة.
وعنهم ينبثق تولية الأمراء والقيادات التنفيذية التي تدير مصالح الأمة، ويكونون عليهم رقباء، فينشأ عن سلطاتهم تقسيم الوظائف الرئاسية والوزارية، وبذا ينتظم أهل الحّلِّ والعقد من: مسؤولي السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية، والعلماء وكبار المسؤولين العسكريين والاقتصاديين الذين يتولون المَصَالِح العَامَّة.
وينشأ عن مرجعية أهل الحل والعقد سلطتان:
1ـ سلطة الإجماع في القرارات الصادرة عن أهل الحل والعقد بإجماعهم.
لا عندما يختلفون، وهذا المصدر نستنبطه من المصادر الثلاثة السابقة فإن أهل الحل والعقد (السلطات التشريعية والرقابية والقضائية)، والسلطات التنفيذية قد يجمعون على شيء، فيجب الرجوع إليه، فعَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِىَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاَثِ خِلاَلٍ أَنْ لاَ يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا وَأَنْ لاَ يَظْهَرَ أَهْلُ البَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الحَقِّ وَأَنْ لاَ تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلاَلَةٍ» ، وقد أشار إلى هذا الاستنباط الرازي والنيسابوري، فقال: «تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء» .
2ـ وسلطة القوة التنفيذية التشريعية، والرقابية، والقضائية، الذين تجب طاعتهم في غير معصية.
وبذا يظهر واضحًا قول من جمع بين العلماء والأمراء في مفهوم أولي الأمر ؛ إذ يعني ذلك أن العلماء هم أصحاب التشريعية والرقابية والقضائية، والأمراء هم أصحاب السلطة التنفيذية الخاضعة لسلطة العلماء الذين يؤيدهم المستشارون من شتى التخصصات.
وهذا واضحٌ تمام الوضوح من فعل الصحابة عندما اختاروا أبا بكر في الشورى التي تم عقدها في سقيفة بني ساعدة، فاجتمعوا عليه عن سواء لم يخالف في ذلك أحد من بعدهم إلا ما ذكر عن تأخر علي رضي الله عنه بسبب مرض فاطمة رضي الله عنها، وبعد أن يتم اختيار أهل الحل والعقد لمن يقوم بالسلطات التنفيذية تجب الطاعة للسلطة التنفيذية المعينة من قبل السلطة التشريعية ثم تبقى السلطة الرقابية والقضائية قائمة لمراقبة سلوك السلطة التنفيذية، والأمة تفرض سلطتها، ولكن من خلال أهل الحل والعقد، ويتصفون كلٌّ في تخصصه بالصفات الأربع المذكورة في القرآن الكريم لأصحاب الولايات {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].
#المجيدي
مفصل تفسير سورة النساء