أصل الإشكال: تناقض إبليس
أولًا، موضوع القضاء والقدر قديم التساؤل فيه وإظهار الإشكال فيه منذ أن قال إبليس: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39]، فمرة يقول “بما أغويتني”، ومرة يقول: {لم أكن لأسجد} [الحجر: 33] مثبتًا لنفسه الاختيار، فيقول: “لم أكن لأسجد”. لم يقل: “لن أسجد”، قال: “لم أكن”، وهو تعبير أقوى بصورة هائلة، إذ أثبت لنفسه كينونة تأبى السجود.
والعجيب أنه أثبت لنفسه ثم عاد مجددًا ليتلاعب بالعبارة يقول “بما أغويتني”. أشرنا إلى هذا في سورة الأعراف إشارة بحسب ما يحتمله المقام.
فإذًا، سؤال الشر، السؤال عن موضوع الشر وخلقِه في الأرض، والسؤال عن القضاء والقدر سيظل محل إشكال.
الخطأ الجوهري: عدم قدر الله حق قدره
ثانيًا في موضوع الإشكال أنه دائمًا ينبع من أنهم {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج: 74].
إن الذين يتكلمون في هذا، أو الذي يُلقي هذا في أنفسنا، حتى يزعزع إعظامنا الله، {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13-14]. وقال الله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ} [الزمر: 67]. وقالوا: {مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} [الأنعام: 91]. ما قدروا الله حق قدره.
هم يظنون أنهم يتعاملون مع الله الذي قدّر الأمر وأعطى الاختيار كما يتعاملون مع ملك من الملوك يجبر الناس على اختيار واحد أو لا يستطيع أن يجبرهم فيختارون دون رضاه.
وعلى سبيل المثال، هذا الملك، ملك من الملوك، أمامه واحد من رعيته ومعه جنوده يحيطون بهذا الواحد من رعيته، يقول له: “افعل كذا”، فيجد هذا المحكوم أنه لا خيار له فيفعل.
فنظروا إلى ملكه ووجدوا أنه يجبرهم، ولكنهم أيضًا نظروا إلى ملكه فوجدوا أن هذا الذي أجبره على شيء، لم يستطع الملك أن يجبره على أن يفكر بتفكير ما، لأن الأفكار لا يستطيع الملك أن يتحكم بها.
هم الآن يحاولون الوصول إلى طريقة للتحكم بالأفكار من خلال الاختراعات الجديدة، لكن المقصود أن الأفكار لا يمكن التحكم بها.
فلما رأوا شدة بطش هذا الملك وقدرته على التحكم، ورأوا أيضًا عجزه عن التحكم بجزئية معينة في حياة الإنسان، لم يخطر في بالهم إلا أن مُلك الله أوسع من ذلك بكثير، وأن مُلك الله كما قال الله: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، سبحانه.
فقاموا يقيسون يقولون: لا يمكن الجمع بين الاختيار والإجبار.
كيف نقول إن الله كما قال عن نفسه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، وكما قال عنه الجن: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا} [الجن: 12]، وكما قال عن نفسه: {وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51]؟ إذا كان كذلك فهم مجبرون؟!
إذًا يظنون أنهم إذا قرأوا مثل هذا فهم مجبرون. ويقولون: كيف إذا نقول بأنه اختيار؟
الانقسام التاريخي بين الفرق
هنا وقعت الأشعرية وقعة كبيرة، -الأشعرية ليسوا الذين ساروا على المنهج المتأخر لأبي الحسن رحمه الله، وإنما الكلاميون-.
وهنا وقعت المعتزلة وقعة كبيرة. فهم يرون أن الاختيار هو الأصل لأنه بناءً عليه يكون العدل، وبدون شعور منهم هم ضربوا به ملك الله، لكن بدون شعور منهم لأنهم أرادوا أن ينزهوا الله عن الظلم، لذلك هم يسمون أنفسهم “أهل العدل والتوحيد” أو “العدلية”.
بينما الأشاعرة رأوا أن ملك الله هو الأصل وأن هذا الملك قائم على العدل ولو كان الإنسان مجبرًا، لكنهم لا يعبرون فيقولون إن الإنسان مجبر، لكن عبارات كثير منهم تؤدي إلى هذا.
ثم تمترس كل واحد من الفريقين في صف صاحبه ولم ينظر إلى الأدلة التي عند الآخرين ويحاول أن يبحث عن هدى القرآن المبين وعن بصائره، وكانت النتيجة المأساة إلى اليوم.
وأظن لو سمعني كلا الفريقين لا بد أن يخطئوني، بحجة أني لست فاهمًا أصلًا ما هو مقتضى مذهبهم.
ثم ستبقى معهم دهرًا حتى يحاول كل فريق منهم أن يبين أنك أنت تجهل ما عندهم، وأنهم على حق، وأن الفريق الآخر لا يمكن أن يكون على حق.
هؤلاء أرادوا أن ينزهوا الله عن الظلم، وأولئك أرادوا أن يعظموا الله في الملك.
مفتاح الفهم: العودة للغة الوحي
وهذا الاستطراد ساقنا إلى بيان جمال قوله تعالى: {ولِيَعْلَمَ اللَّهُ} [آل عمران: 140]، وأنها ليست مصروفة عن ظاهرها، وكذلك قوله تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] لا تدل بالضرورة أنها مصروفة عن ظاهرها، لأن العربي يفهم أنك عندما تقول له: “أنت في عيني” أو “في عيوني”، لا يفهم من ذلك أبدًا أنك داخل عينيه، وإنما هو يعبر لك تعبيرًا واضحًا أنك محفوظ، أو محبوب، أو مذكور، أو نحو ذلك.
الرئيسية
الخطب
مجالس أهل التفسير