حماية الإنسانية ماليًّا من التصرفات الضعيفة أو الفاسدة
1 سبتمبر، 2022
1235
كيف تحمي الشريعة البشرية ماليا من التصرفات الضعيفة والفاسدة؟
لقد وضع الإسلام نظاما ماليا خاصا به يتميز عن غيره فيتصف في أقل أحواله بالمصدرية الربانية، وتأتي التوجيهات القرآنية بصور متنوعة لتتعدد المعاني الكثيرة، ومن تلك الآيات قوله تعالى {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] فالآية وإن كانت تبين التعامل المقسط مع فئة اجتماعية محددة هي السفهاء إلا أن الأحكام الواردة فيها تبصرنا ببصائر عامة تنفع الأمة، فيمكنك أن تسمي هذه الآية: آية توظيف الأموال الاجتماعية، حيث يبين الله تعالى فيها وظيفة الأموال في المجتمع كما يبين حق المجتمع والأمة في تأهيل السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في الأموال، وتراه في الوقت ذاته يبين حقوق السفهاء في حمايتهم وحماية أموالهم التي يجب أن يقوم المجتمع بتوفيرها لهم لمساعدتهم على تخطي عَقَبة التصرفات السيئة الناتجة عن سفههم. ولكن من هم السفهاء؟
السفه اضطراب في التفكير، واختلال في الرأي، ونقصان في العقل والتدبير، وضعف في إدراك المصالح والمفاسد، وقد يصحبه انحطاط في الخلق العام دون أن يشعر صاحبه بمستواه الـمتدني، ويلخص الطبري معنى السفيه فيقول: «والسفيه: الجاهل، الضعيفُ الرأي، القليلُ المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ.. لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ» .
والسفهاء صنفٌ لا يخلو مجتمعٌ منهم، وقد يكونون من الأطفال، وقد يكونون من الرجال، وقد يكونون من النساء، وهذا الصنف ينعم الله تعالى عليه بالأموال التي آلت إليهم بالوراثة، أو بالعطية، إلا أنهم لا يحسنون التصرف في إدارة أموالهم لنقص عقلٍ، وعَمَهِ تصرفٍ، ويدخل فيهم بعضُ الموظفين غيرُ الأمناء الذين يتصرفون في المال أو المسؤولية الملقاة على عواتقهم تصرفًا غير راشد تبذيرًا أو عبثًا أو لهوًا أو إنفاقًا مجحِفًا في غير اللائق من أمور الحياة، وحتى لا يفسدوا أموالهم، ويجرموا في حق أنفسهم، وحتى لا يفسدوا بأموالهم مجتمعاتهم، وحتى لا تتعطل أموالهم أيضًا من الاستثمار والتنمية..
وعليه فيجب تحديد السفهاء في الـمجتمع ليحصلوا على حقوقهم في الرعاية، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5].
وهنا يجمع الله تعالى ذكره بين حق هؤلاء السفهاء وحق المجتمع وحق الأمة في إجراء عملية التأهيل لهذه الفئة ليفيد السفهاء من عملية التأهيل قبل غيرهم، وليصبحوا من الفئات التي تبني المجتمع بدلًا من أن تدمره بالعبث بمدخراتهم المالية كما يبين حقوق السفهاء في الوقت ذاته في استثمار أموالهم مع حمايتهم من أي استغلال من قبل غيرهم، وترى هنا الجمع بين الملكية الفردية والانتفاع المجتمعي، حيث قال الله تعالى جدُّه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5].
وتبصرنا الآية بأنه يحرم إعطاء السفهاء أموال غيرهم ليتصرفوا فيها لعدم أهليتهم للتصرف، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء:5).
فالـمراد بأموالكم، أي: الـمال العام الذي هو حق الـمجتمع، أو الـمال الخاص الذي لك أنت أو لغيرك من الناس، فإعطاؤهم الأموال إفسادٌ لهم وللمجتمع حولهم، وتدميرٌ لمقدرات المجتمع الذي يعيشون فيه.. تدميرٌ لثرواتهم، فلا تؤتوهم الأموال بما أنهم لا يحسنون التعامل بها، فهذا الحق لهم كما هو للأمة حفاظًا على الثروة العامة، وحراسة لمقدرات الأمة، ولإعانتهم على ترك الظلم والسوء لأنفسهم، فكأن الله تعالى يقول للمسلمين: قد تكونون بإعطائكم إياهم الأموال ممن تسببوا في دمارهم ودماركم؛ إذ سيقومون إما بإتلاف هذه الأموال وإما بتوجيهها لتكون دمارًا للإنسانية.. أما والأمر كذلك فإن السفهاء يستحقون الحَجْرَ هنا لئلا يؤذوا أنفسهم أو غيرهم، ومن أمثلة إعطائهم الأموال: أن يُعطِيَ الأبُ مالَه لابنه السفيه، أو يعطي الزوج زوجته السفيهة، أو تعطي الزوجة زوجها السفيه، ومن أبرز الأمثلة العجيبة في هذه الأيام: أن يتحكم سفيهٌ بالمال العام بدرجة وزير أو مدير أو خفير.. فانظر إلى هذه الآية كيف أنزلت.
لقد أنزلت تحرس أموال الأفراد.. نعم، ذلك وعزة ربك حقٌّ.. أتراها تحرس مال الفرد من قريبه السفيه أبًا كان أو أخًا أو ابنًا أو زوجة ثم لا تحرس الأموال العامة؟
ثم املأ قلبك بالإعجاب من هذه التشريعات التي نزلت في وقتٍ مُبَكِّرٍ من التاريخ البشري النسبي لتحميَ الإنسانية من التصرف الضعيف أو الفاسد في أموالها، واعجب بعد متأوهًا كيف تكون الأمة التي نزلت عليها هذه الآية أكثر أمم الأرض تضييعًا لأموالها، تصبر على سفهائها وهم يعيثون بأموالها في الأرض فسادًا..
إن هذا التشريع سبقٌ قرآنيٌ مدهش يقدمه القرآن للعالم ليسبق بها النظم الاقتصادية كما يسبق به الاقتصاديين العالميين، والعجيب أن الله قد شدد في عدم إعطاء السفهاء الأموال حفاظًا عليهم وعلى المجتمع، ولئلا تكون وبالًا على السفهاء وغيرهم، ومما يؤكد هذا التشديد ما جاء عن أبى موسى عن النبِي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثةٌ يدعون اللَّه فلا يستجاب لهم: رجلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجلٌ كان له على رجلٍ مال فلم يُشهِد عليه، ورجلٌ آتى سفيهًا ماله وقد قال الله عزَّ وجلَّ {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5]» [1].
وتبصرنا الآية كذلك بأنه يحرم إعطاء السفهاء الـمال الخاص بهم لعدم أهليتهم للتصرف فيه.
وهذا هو الـمعنى الثاني لقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5]:
وهذا هو المعنى الثاني لكلمة ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ إذ يجوز أن تكون بمعنى أموالكم كما في الحق السابق، ويحمل الكلام على الحقيقة، ويجوز أن تكون بمعنى أموالهم على سبيل المجاز، حتى تحافظوا عليها محافظة عظيمة كأنها أموالكم، فالسفيه هنا يملك لكنه لا يتصرف، وذلك كالأيتام أو الأولاد فلا يعطيهم الوصي أو الأب مالًا هو لهم إن لم يحسنوا التصرف فيه، وإنما نسب ﴿أموالهم﴾ إلى المخاطبين للتنبيه على عدة أمور:
أولًا: ليتعاملوا معها كما لو كانت هي أموالَـهم، إجراءً للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] وقوله {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] أي إخوانكم كما في قصة الذين تابوا في قصة موسى عليه السلام، فجعل الأخ بمثابة النفس، كذلك جعل أموالهم بمثابة أموالكم، وقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85].
ثانيًا: ليبين الله -عزَّ جاره- أنه إذا ضاع هذا المال، ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضيةً إلى شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله، وكذلك إذا أنفق الولي قدرًا زائدًا على المحتاج إليه من مال اليتيم ترفهًا فإنه يضمنه من ماله.
ثالثًا: لأن الأموال وإن كانت أموالَـهم إلا أن للمجتمع فيها حقًّا.. وقد تتساءل: ما الحقُّ الذي للمجتمع في أموالٍ خاصة؟
أجيبك بأن حق المجتمع في الأموال الخاصة أن يتصرف فيها مالكوها تصرفًا راشدًا لا تصرف السفهاء، بما يؤدي إلى تنمية المجتمع وتعميره لا إلى زلزلته وتدميره.
من المخاطب المكلف بتوفير هذه الحقوق للسفهاء؟
المخاطب في قوله تعالى ذِكرُه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] أولياء الأزواج والزوجات والأوصياء كما هو السياق إلا أن عموم اللفظ يدل على أن المخاطب جميع الأمة.. ماذا يعني ذلك؟
إنه يعني أن تقوم الأمة بالرقابة اللازمة على من يتصرف بسفهٍ في الأموال سواء أكان في ماله الخاص، أم في مال الأمة العام.. وهذا يقتضي إنشاء مؤسسات أهلية وحكومية لحراسة الأموال العامة والخاصة من العبث والاستهتار.. وتعجب من أمة تنتشر فيها مقاطع العبث الصارخة بالأموال ثم لا توجد جهاتٌ تأخذ على أيدي السفهاء.. ولعلك رأيت مقطع وضع الأموال الطائلة مع علف الأنعام تأكله ضمن علفها.. ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون، ولا يوجد من يذكرهم في مجتمعاتهم.
فماذا أنت قائلٌ فيما ترى من سفهٍ مجرمٍ مفسدٍ في أموال الأمة هذه الأيام؟.
والآية تدل على أن الـمنافع الكبرى للأمة لا تكون إلا إذا كانت الأموال في يد إدارة راشدة، يتصرفون فيها بما لا يليق بها لتقوم على حياتهم وتؤمن استقلالهم وكرامتهم، فإذا تحكم فيها السفهاء والعابثون كانت سببًا للدمار، والخراب، والإفساد في الأرض.. ربَّنا فرِّج عن هذه الأمة المكلومة الحزنى يا أرحم الراحمين.
وتبصرنا الآية بأنه يجب الاهتمام بأموالهم وأموالكم العامة والخاصة، والحرص عليها؛ لأن الله جعلها لكم قيامًا أي جعل الحياة تقوم بها وعليها، ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5].
فالآية تبصرك بأن المنافع الكبرى للأمة لا تتحقق إلا إذا كانت الأموال في أيدي الراشدين يتصرفون بها بما يليق بها، فإذا تحكم فيها السفهاء والعابثون كانت سببًا للدمار والخراب والإفساد في الأرض، وحتى تشعر بذلك ينبغي أن تعلم أن في قوله تعالى ذكره: ﴿قِيَامًا﴾ [2] قراءتين توضحان مشهدين، وتدلان على مفاهيم:
المفهوم الأول: المال قوام المعايش الدنيوية، وهو الذي يتيح لكم أن تسيروا في العالم قائمين لا تنحني رؤوسكم أمام عواصف الحياة، وشدائدها، وتقلباتها، وتوضحه قراءة الجمهور ﴿قِيَامًا﴾: فهو مصدر قام قيامًا يوصف به الذي يقوم بالمصالح، فهو مَا يُقِيمُكَ، أو هي قائمة بأموركم، فأنتم تقومون بها، وهي تقوم عليكم، فإن ﴿قِيَامًا﴾ مصدر، والإِخْبَارُ عَنِ الأَمْوَالِ بِهِ إِخْبَارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ،
والمعنى كما يقول الزمخشري: «أي تقومون بها، وتتعيشون، ولو ضيعتموها لضعتم»[3]. فقد قرر الله تعالى أنه لا يحصل قيامكم الحيوي إلا بالمال، فالمال هو قوام حياتكم، فأكلكم وشربكم وبناؤكم وحركتكم وتربيتكم وفق ما عندكم من المال، فلما كان المال سببًا للقيام والاستقلال سماه بالقيام إطلاقًا لاسم المسبَّب على السبب.. وكيف لك أن تؤدي أنشطتك الدنيوية إلا بالمال؟ «لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا، وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من المال؛ لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب المنافع ودفع المضار إلا به، فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، ومن أراده لنفسه كان من أعظم المعوقات عن سعادة الآخرة» [4]، ولتثبيت ذلك في العقلية المسلمة يحدثنا عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني»، فأتيته وهو يتوضأ فصَعَّدَ فيَّ النظر ثم طأطأه، فقال: «إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة» قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: «يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح» [5].
المفهوم الثاني: المال أساس الاستقلال الحقيقي، وبوابة التأثير الحر في التعامل المحلي والعالمي؛ إذ يمكنكم بواسطته التصرف الحرُّ أفرادًا وأممًا، وينمي هذا المعنى في نفسك القراءة السابقة، وكذلك قراءة نافع وابن عامر ﴿قيما﴾ ؛ إذ ذهب البصريون إلى أنها جَمْعُ قِيمَةٍ، كَدِيمَةٍ وَدِيَمٍ، أَيْ: جَعَلَهَا اللَّهُ قِيمَةً لِلْأَشْيَاءِ، وأثمانًا لها، أي فكيف تتصرفون إن أهدرها السفهاء؟
وإنك -وعزة الله- لتعجب إذ لا ترى لمن نزلت عليهم هذه الآية استقلالًا ماليًا، كيف إلى الآن لا يوجد لديهم مصانع يستقلون بها عن الاستيراد من الخارج.. مصانع حقيقية وليست مصانع تجميع، وهو أساس قدرتهم على الشراء والإثراء والتأثير في الواقع العالمي.
والاستقلال الفردي يجليه لك سفيان الثوري حينما جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله! تمسك هذه الدنانير؟! فقال: اسكت، لولا هذه الدنانير لتمندل (يعني: لتمسح) بنا هؤلاء الملوك[6].
إن ورود هذه اللفظة {قِيَامًا} [النساء: 5] ضمن حقوق السفهاء يكاد يصرخ بهم ليسارعوا في البناء الاقتصادي لأنفسهم، وهذا مفهومٌ لا يتنافى مع الزهد.
فانظر قوة لفظة {قِيَامًا} [النساء: 5] هنا؛ إذ يتراءى لك أن معناها: التي تقوم بها حياتكم ومجدكم، ومثال ذلك هذه الخيرات المدهشة الموجودة في العالم الإسلامي من الطاقة الشمسية إلى الثروة الزراعية إلى السلاح النفطي والثروة السمكية، وأهم من ذلك كله الثروة البشرية.. أفلا يدل تضعضع الأمة ووهنها على أن سفهًا أصاب هذه الأمة فصار يتحكم بها؟ وحتى يظهر الأمر المبكي المضحك في هذه الأمة فاضرب لهم مثالًا بشركة سامسونج الكورية كبرى الشركات الالكترونية التي سجَّلت أرباحًا صافية خلال الربع الثاني من عام 2015م بلغت 5.5 مليار يورو، ومعنى ذلك أن أرباحها السنوية تفوق بعض ميزانيات بعض الدول العربية الغنية.
فهذه الآية التي تبني الحياة الإسلامية {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] تشير إلى ضرورة المحافظة على الثروة العامة والاحتياطات المالية بهذا الوصف القرآني الفريد للمال {قِيَامًا} [النساء: 5]، وعن ابن عباس: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جُزْءًا من النبوة»[7]، وعن سعد بن أبي وقاص: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يَتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة، تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك»[8].
فقارن هذا الحث الشديد على الاستثمار، وبيان أهمية المال، وخطورة الاقتصاد بما ورد في إنجيل متى:
«(19: 23) إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات (24) وأقول لكم أيضًا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله»،
وورد فيه أيضًا6: 24 لا يقدر أحدٌ أن يخدم سيدين؛ لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال 25 لذلك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس. 26 انظروا إلى طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟
وهذا الكلام إن صح عن عيسى فله تأويله السائغ، والمسيح عليه السلام يلوم الغني الذي لا يؤدي حق ماله، أو يريد ألا يكون المرء عبدًا للمال، كما يريد أن نتوكل على الله حق توكله، وهذا الكلام العيسوي المبارك من المشكاة ذاتها التي خرج منها قول النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم: « لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»[9]، ولكننا لا بد أن نجمع بينها وبين البيان الإلهي الأخير الذي يمتاز بالوضوح الكافي الذي يزعج القلب إزعاجًا لأجل أن يهتم المخاطب بالمال ويدرك خطورة إدارته للحياة كما في هذا التعبير المدهش: {قِيَامًا} و﴿قيما﴾.
ومن المدهش أن ترى أتباع عيسى ڠ قد تركوا مثل هذا الكلام إلا خرافاتٍ ابتدعوها أو ابتدعوا معانيها يرضون بها غريزة التدين، ولذا ترى أممهم فاقت وارتفعت، وحدث عندنا العكس؛ إذ تركنا كتابنا فظلمنا أنفسنا والعالم حولنا، فأصابنا عذابٌ بَئِيسٌ بما تركنا من كتابنا.
وتبصرنا الآية كذلك بوجوب استثمار الـمال للسفهاء.
ويُبَصِّرُنا بذلك قوله تعالى: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} [النساء: 5].
يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه، وينبغي استثمار أموالهم، وفهمنا استثمار أموالهم من قوله تعالى ﴿فِيهَا﴾، فأمر الله تعالى في قوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا}بأمرين معًا: أن يتم الإنفاق عليهم، وأن تنمى أموالهم، فلم يقل (منها)، وذلك لأن المراد بقوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} استثمارها وليس تنقصيها بالنفقة منها كما قال صاحب «الكشاف»: «أي اجعلوها مكانًا لِرزقهم، بأن تتجروا فيها، وتتربحوا؛ حتى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال»[10]، وهل يكون ذلك إلا بالاستثمار الحقيقي للمال، والبحث عن وسائل تنميته، وهذا يقتضي البحث عن المال، وتثميره، وعدم إهلاكه، وكذلك عدم إعطائه لمن لا يدرك قيمته، فيكون إعطاؤهم من الأموال حسب حاجتهم المعتادة، ويقوم الـمُعطِيَ بتنويع طريقة الإعطاء، فتارةً يعطيهم من ثمنها، وتارةً يعطيهم من رأسها، وتارة يعطيهم من ربحها.
وفي الأحكام السابقة تجد الإشارات والدروس المفيدة للأمة في حياتها العامة والخاصة.
[1] المستدرك على الصحيحين للحاكم (2 / 331) برقم 3181 وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير (12 / 333) برقم 5386.
[2] إبراز المعاني من حرز الأماني (ص 412)، فتح القدير للشوكاني (1/ 489)، التحرير والتنوير (4/ 235).
[3]الكشاف (1/471).
[4] نظم الدرر5/195.
[5]أحمد (4 / 197) برقم 17798، وصحح الأرناؤوط إسناده على شرط مسلم، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد برقم 229.
[6] حلية الأولياء (6/381).
[7] أحمد(1 / 296) برقم 2698 – وقال الأرناؤوط: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 1993.
[8] صحيح البخاري – ترقيم فتح الباري (2 / 103) برقم 1295.
[9] أحمد (1/30) برقم 205، وقال الأرناؤوط: «إسناده قوي رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبدالله بن هبيرة فمن رجال مسلم».
[10] الكشاف (1/472).