من أساليب القرآن في تشريع الأحكام
20 ديسمبر، 2022
533
لماذا جاء قوله تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أثناء الكلام على الأحكام التشريعية؟
{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25]
في قوله تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} يذكر الله -تعالى مجدُه- عدةَ حكمٍ مقاصدية لهذه الأحكام التفصيلية، وهذا أسلوب القرآن الدائم لا يأتي بالأحكام جافة، بل يشعر الإنسان بأن هذه الأحكام ما هي إلا وسائل نحو المصلحة الإنسانية التي لا توجد كما توجد في العبودية لله والحرية من أن يتملكه آخرون من البشر، فيمتلئ القلب بعظمة هذه الأحكام وجمالها ورقيها ويشعر بالإعجاز التشريعي لها.
فهذه الجملة المباركة: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25] تقتضي مفاهيم متعددة أهمها:
عدم تكبر أحدٍ على أحدٍ أو اغتراره بعبادته أو حريته، فقد يكون من دونه حرية أو من دونه عبادة أعظم منه إيمانًا.
إنها التربية القرآنية، والتزكية الإلهية التي تهذب النفس الإنسانية التي قد يتغلب عليها الغرور، ويستولي عليها الكبر، كما يعني ذلك العمل بالظواهر والله يتولى السرائر، فقد يغتر أحدهم بفتاةٍ تظهر الإيمان، وليست كذلك، وقد يقع في نفسه عدم المبالاة بمن يظهر منه التقصير مع أن شأنه في سره عند ربه كبير، فلا ذنب عليه بعد التحري، ومثل ذلك في سائر الأمور، وكذلك فإن قوله جل ذكره: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25] يظهر الوحدة الإيمانية والتأكيد عليها وتعظيم شأنها، فلا يتكبر الحر على الفتى أو الفتاة، فالعمل بالظواهر، والله يتولى السرائر، وقد يكون الفتى أو الفتاة أعظم إيمانًا من الحر، والإيمان جعلكم أمة واحدة، فلا اعتبار للأمور الأخرى، فالغني أخو الفقير، والسيد أخو الـمملوك، والحرة أخت الفتاة، فلا تستنكفوا أو تستكبروا أن تنكحوا الأمة لأنكم أحرار، ولا تسألوا عن النسب، ما دام نسب الإيمان قد لاح، وهذا مثل قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71] وَقَوْلُهُ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].