كيف كان قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ) في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النساء: 49] أسلوبا عميقا في فضح قاعدة تلميع النجوم كما يعبرون اليوم؟

وكيف يكشف زيف توجيه الإعلام؟

يقف القرآن بين الإنسان وبين حظوظ نفسه ليعلمه أصول النجاح في مهمة وجوده، فالقرآن يتغلل إلى مخابئ النفوس ليعلم البشرية ما تجهله عن أشياء قد يظنون أنهم أقرب إليها هنا يأتي البيان الإلهي ليبصرنا من حالة أشخاص يستلبون الألفاظ الشريفة للأنفس الخبيثة فيستخدم القرآن تركيبا تعجيبا مدهشا فيقول: {أَلَمْ تَرَ} ثم يحدد ذلك فيقول: {إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ}.

وليس المراد بالتزكية هنا طلب إيجاد زكاة النفس؛ إذ هذا مطلوب، فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا» [1].

وإذا كانت تزكية النفس مطلوبة، فما المراد بالتزكية المنهي عنها هنا؟

المراد بها هنا نسبة كل خيرٍ وفضلٍ للنفس.. يراد أن يزعم صاحبها أنه قد طُهِّرت حياته من الرذائل، ومُلئ بالفضائل..

فتجد الله تعالى ذكره يُعَجِّبُ عبادَه من حالهم بكلمة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كأنه يقول:

انظر إلى هؤلاء الناس الذين يكثرون الدعاوى العريضة والافتراءات، فيدَّعون أنهم هم أصحاب الحق والاعتدال والعدل ورسل الرحمة وأساس الاستقامة في العالم، وينسبون لأنفسهم كل خير، ويعطون لأنفسهم حق توزيع الألقاب وتزكية الفئات، والله سبحانه يبين جناية هؤلاء المدعين على العالم ويفضحهم.. فالآية تتكلم عمن زعم أنه زكي النفس.. فمن يدخل فيها -أيدك الله-؟

يدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله [2]، وأولهم من جاء ذكرهم في السياق، وهم المنحرفون من الذين أوتوا الكتاب، فإن بعض اليهود كانوا يقولون: «إنا نعلم أبناءنا التوراة صغارًا، فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا، ما عملنا بالنهار كُفَّر عنا بالليل» [3]، ومن تزكيتهم لأنفسهم أنهم يقولون مبينين محدودية الضرر الذي سيصيبهم مع عظم الجرائم التي يمارسونها: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } [البقرة: 80]، ويقولون: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] ، ويزكون أنفسهم بما لم يعملوه من الأعمال الصالحة {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188].

تخيل كيف ينفقون الأموال الطائلة على صناعة صورة حسنة لكثير من الشياطين والمنافقين والدجالين؟!

وتتبع وسائل الإعلام وزارات الثقافة وهي تمارس هذا التزوير لصالحهم لتعرف لماذا اهتم القرآن بهذه القضية الخطيرة التي تقلب الحقائق على سنن فرعون {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]

ويدخل فيها ثانيًا: كل من كان مثلهم، وادعى دعواهم..

 أفتحسب أن المسلمين في منأى عن سبيلهم في النتائج إذا اتبعوا حذوهم في المقدمات؟ كيف يزكي بعض المسلمين أنفسهم بأنهم من خير أمة أخرجت للناس بينما هم يبعدون عن مناهجهم أحسن حديث أنزل للناس؟ كيف يزعمون انتسابهم لخير الأنبياء، ومحبتهم له، وهم يحاربون منهجه في حياتهم؟ كيف يزعمون الدعوة إلى الإسلام وهم أسوأ دعاية منفرة عنه؟

فهؤلاء كما وصفوا في الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي بسند فيه ضعف، ورواه الدارمي بسند صحيح موقوفًا على معاذ بن جبل قال: (سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم طمع لا يخالطه خوف إن قصروا قالوا: سنبلغ وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئًا)، وكذا رواه بسند صحيح موقوفًا على كعب قال: (إني لأجد نعت قوم يتعلمون بغير العمل ويتفقهون لغير العبادة ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون جلود الضآن وقلوبهم أمر من الصبر فبي يغترون أو إياي يخادعون فحلفت بي لأتيحن لهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانًا).

ومن هنا يستبين لك المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها؛ فإن بعض من يشرك بالله يزكي نفسه، ويظن أنه بذلك سيد المهتدين، فجاءت هذه الآية تفصل حاله، وتفضح خياله، ولكنها صيغت على هيئة الاستقلال ليدخل فيها كل مزَكٍّ نفسه بغير حق، فدخل فيها الذين يصمون الآذان، ويملؤون سطور الصحف بمدح أنفسهم من المسلمين أيضًا، وقد جاء التحذير من المدح في غير مكانه لأنه يتضمن تزكية للذات أو للآخرين بغير حق، ويحذرنا ابن مسعود من وقوع المسلمين في هذا الفخ الشيطاني، فعن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول: «والله إنك لذَيْتَ وذَيْتَ»، ولعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [4]، وعَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ – ظَهْرَ الرَّجُلِ [5]، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ: – مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاَنًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ [6].

وعَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ فَعَمِدَ المِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ – وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا – فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الحَصْبَاءَ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» [7].

وروى أحمد عن عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر. ومن قال: هو عالم، فهو جاهل. ومن قال: هو في الجنة فهو في النار. ورواه ابن مردويه عنه أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال إنه مؤمن فهو كافر، ومن قال هو عالم فهو جاهل، ومن قال هو في الجنة فهو في النار.

تلك بصائر قرآنية ربما لا يهتم بها اليوم ولكنها مهمة في مسيرة الأمة نحو رؤية الحقيقة.

أ.د/ عبد السلام المجيدي

مفصل تفسير سورة النساء


[1] صحيح مسلم (8 / 81) برقم 7081.

[2] الكشاف  للزمخشري (1/ 552).

[3] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 453).

[4] تفسير الطبري ت شاكر (8/ 455).

[5] صحيح البخاري – ترقيم فتح الباري (3 / 231)

[6] صحيح البخاري – ترقيم فتح الباري (3 / 231)

[7] صحيح مسلم (8 / 228).


الكلمات المفتاحية: حكم تزكية النفس علم النفس القرآني