من أقوى جبابرة التاريخ والحاضر إلى أصغر أفعالك اليوم.. احذر، “إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ”
للأستاذ الدكتور: عبد السلام المجيدي
تاريخ النشر: 13/10/2025
رابط المقطع: https://youtu.be/2YPMM5EEX7I
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الامين وعلى آله وصحبه والتابعين، اللهم اتنا من فضلك ورحمتك بفضلك ورحمتك افضل ما تؤتي عبادك الصالحينوبعد،
فإن من أعظم السور التي يجدها الإنسان في القرآن سورة الفجر، انظر إلى هذه التسمية العجيبة: الفجر. والله سبحانه وتعالى وصف الفجر بأوصاف متعددة، منها أنه ربط بصلاة من أعظم الصلوات فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وماذا خص الفجر بقوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. ذلك كله لأجل أن يضع في قلبك المهابة لهذا الوقت، والمحبة له، والترقب له. والجميع، جميع من في العالم يترقبون الفجر، إذا أرادوا أن يعبروا عن الشيء يسرهم أو يسعدهم أو ينتظرون الفرج بعد الشدة، فإنهم يقولون ننتظر الفجر.
والشعراء يتكلمون عن الفجر مشتاقين له، فيقول مثلاً امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح، هو يريد الصبح، وما الإصباح عنك بأمثل، لكنه يريد الصبح. والله تعالى وصف الصبح فقال: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. في هذه السورة أقسم الله تعالى بالفجر، لابد للإنسان أن يشنف سمعه، لماذا يقول الله ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. والفجر من أعظم ما نجده في هذه السورة، هذا الكلام وتلك الكلمات التي تعبر عن جواب القسم عند بعض المفسرين وهي قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ تقوم الحياة كلها على قول ربنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. إن ربك لبالمرصاد، ذكر الله تعالى الأعظم من البشر والأقوى والأكمل والأشد والأكثر آثارًا، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. وصفها بوصف لم توصف به أمة في الدنيا كلها، ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ﴾، أي الأمة التي هي أمة عاد، أو ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ﴾، أي الحضارة التي هي الدولة التي أسستها عاد. فسواء هذا أو سواء هذا، فإن هذه الدولة كانت من أعظم الدول وأكثرها قوة. هذه الأمة ليس كما قال بعض المؤرخين وبعض المفسرين ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني العمد للخيام، لأن هذا لا يمدح به مهما كانت الخيمة طويلة، لا يمدح بالخيمة إذا كنا نرى الحضارة المصرية وعندها من الأوتاد وعندها من العماد شيء هائل. فكيف بالنظر إلى أمة قالت عن نفسها ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. وقال الله تعالى عنهم ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. فالصحيح أن قوله تعالى ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ العمد الهائلة التي لا يعلم قدر عظمها إلا الله، ولا مانع من أن تكون مطمورة في الرمل، بل قد أثبتت بعض التحقيقات أن هناك حضارات بأكملها مطمورة في رمال الأحقاف والربع الخالي. وقد ذكر ابن كثير قصة تدل على هذا. ففي كل الأحوال نحن نتكلم عن أمة عظيمة، وإذا كنا رأينا الحضارة المصرية ورأينا من آثار ثمود شيئًا كبيرًا، رأينا من آثار ثمود مثلاً في محافظة العلا ترون أمامكم البيوت المنحوتة في الصخر إلى الآن، وينظر على أنها من أشد ما شادت الإنسانية، فما بالك بعاد؟
الله تعالى إذا يقول ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، فذكر هذه الدولة ثم قال ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. والإنسان فقط لو نظر إلى الأهرام فإنه يجدها أوتادًا. هل يوجد تحتها شيء؟ لا نعلم حتى الآن، لا نستطيع أن نقول ذلك، ولكننا نقول بأننا نرى ثلاث حضارات ضخمة، اثنتان نرى آثارهما رأي العين، وهما ثمود وفرعون. وأما عاد فالله أعلم بشأنها، لكن الله تعالى قد وصفها بهذا الوصف. قال الله بعد ذلك: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾. أي أعطاهم الله تعالى الفرصة والإمكانية والتمكن والمقومات المادية والمعنوية والأثر الكبير، ولكنهم بدلاً من أن يستغلوا هذا في التقرب إلى العليم الخبير، استغلوه واستثمروه في الإفساد. قال: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. يقول ما مسهم إلا بسوط، مجرد سوط. تخيل ريح تدمر كل شيء بأمر ربها، جعله سوطًا، يعني كأنه شيء من عذابه سبحانه وتعالى أرسل به ملكًا فجاء الملك وضربهم بسوط. هذا كله التدمير يسميه سوطًا، مجرد سوط، يعني عبارة عن حبال وضربت. ما هذا التدمير؟ التدمير الأول الريح التي قلعت، قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. وقال: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ﴾. قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾. مع أنهم هم وصفوا أنفسهم وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. والله تعالى يخبرنا أنه قال لهم نبيهم: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال إذاً: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. نحن نريد أن نقف عند قول ربنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ماذا؟ ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾. دعوكم معي لهذه الكلمة الكبيرة العظيمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ لهذه الحضارات، ما بالك بي وبك؟ ماذا تظن؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾. إذا كانت هذه الحضارات قال الله تعالى لها ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
الآن عندنا رصدان: الرصد الأول في الدنيا والآخرة، والرصد الثاني في الآخرة. ذكر الله تعالى الرصدين. ما معنى الرصد؟ ما شاء الله في الجندية والعسكرية، ما معنى الرصد؟ ها؟ المراقبة، الاستهداف، الاستهداف. الرصد، قال الله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾، وهو يتكلم عن المعارك الحربية الضخمة، قال: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، تترصدونهم وترقبونهم وتستهدفونهم وتأخذونهم. قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ماذا؟ ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾. إذاً من الذي يظن أنه يمكن أن يخرج عن هذه القدرة الإلهية؟ هذا الرصد الأول. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
ذكر الله المرصاد في مكان آخر، في أي سورة؟ تدبر القرآن من أعظم ما يحيي الإنسان، تدبر القرآن من أعظم ما يعيد الحياة في هذه الأزمان. قال في الثانية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. لمن؟ ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾. ما هذا! نعوذ بالله منهم ونعوذ بالله من حالهم ومصيرهم. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. إن لم يجد الرصد في الدنيا، لأن بعض الناس يقول لك قد رأينا أناسًا طغوا وبغوا وأفسدوا ولم يجدوا شيئًا، لم يعاقبوا. نقول لهم هناك مرصاد آخر. قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾. تخيل هذه السعير يؤتى بها يوم القيامة لها 70 ألف زمام، مع كل زمام 70 ألف ملك يجرونها، يعني 4 مليار و900 مليون ملك. وإذا كان ملك من الملائكة حدثنا عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأسه عند العرش ورجله في الأرض السفلى، إذا كان ملك ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة 700 عام، ما بالك بهؤلاء الملائكة وكيف تكون هذه الجهنم؟ نعوذ بالله منها.
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ في سورة الفجر، أي في الدنيا والآخرة هو بالمرصاد. لا تظن أنك يمكن أن تفوته. راقبه، راقبه في تعاملك مع ربك، راقبه في تعاملك مع زوجتك، راقبه في تعاملك مع ابنك، راقبه في تعاملك مع وظيفتك، راقبه في تعاملك مع بلدك، راقبه في تعاملك مع إخوانك، راقبه في تعاملك وأنت صاحب قوة وشأن، وأنت صاحب مال وغنى. راقبه لأنه بالمرصاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
هنا يقول لنا ميمون بن مهران كلامًا جميلاً بديعًا يدل على تنسمه لعطر الآيات ووقوفه أمام مقام رب الأرض والسماوات. ماذا يقول ميمون بن مهران؟ يقول: هما رصدان، هما رصدان: إن ربك لبالمرصاد، إن جهنم كانت مرصادًا. انظروا هل لهذين الرصدين من جواز؟. أنت عندما تمشي إلى الحدود تريد تخرج ماذا تفعل؟ الجواز. هذا رصد، هذا بالنسبة لك رصد، ممنوع الدخول، ممنوع الخروج، ممنوع الدخول من هنا وممنوع الخروج من هنا. أي واحد يريد أن يدخل أو يريد أن يخرج لابد أن يثبت ماذا؟ جواز. تخيل كلمة جواز جاءت على لسان بن مهران قبل ما تخترع هذه الأوراق، ها؟ يقول: انظروا هل لهذين من جواز، يعني مجاز مسير، هل يمكن أن تجد الإذن؟ الآن قد عرفنا الجواز، يسمونه الجواز من أجل أن تستطيع الاجتياز من هذا المكان إلى هذا المكان ومن هذا المكان إلى هذا المكان. انظروا هل لهذين من جواز؟ الله! كيف تثبت هذه في نفسك الرقابة لله.
كان الجاهليون يستقوون بقوتهم، كل واحد صاحب أنفة أو صاحب قوة أو صاحب شكيمة يقوم فيعلي قوته وبضاعته أمام القبائل الأخرى. كان الجاهليون يفعلون ذلك، ليس الجاهليون بل حتى والكتابيون فيما بينهم. هذا زهير العبسي عندما أراد أن ينتقم من أعدائه لثأر، لثأر فقط في واحد قتل، فقام يبيد من حواليه إبادة حتى قال: شفيت النفس من حمل ابن بدر .. وسيفي من حذيفة قد شفاني. فإن أكُ قد بردت بهم غليلي .. فلم أقطع بهم إلا بناني. يقول أنا استطعت، أن استطاع هو أن يبيد من حواليه. والزير سالم، تعرفون الزير سالم هذا الذي بقي يحارب 40 عامًا يحارب بني عمومته، هذا من أعجب أمره. يحارب بني، هو من قبيلة تغلب وهم من قبيلة بكر، وبكر وتغلب أخوان، أنجب نسلًا هذا وأنجب نسلًا هذا، تناسلت صارت قبيلتين. في الأخير هو أخوه ابن عمه. فلما وقعت حادثة البسوس، ما هي إلا ناقة، قام كليب من أجل أن يظهر نفسه وزهوه وأنفته وقتل هذه الناقة، فجاء جساس وقتل كليبا. هذا يقتل هذا، جاء سالم وأباد بني بكر فقط من أجل واحد. بينما الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. من أجل واحد، ماذا قال الزير سالم؟ قال: فلعمري لأقتلن بكليب كل قيل يسمى من الأقيال. كان العرب تسمي الملوك عندهم الأقيال، سواء هذا في اليمن أو في غير اليمن، ولأن قبيلة كندة كانت مسيطرة على نجد قبل أن يأتي أهل ربيعة ومضر الذين نزحوا من الحجاز وسيطروا بعد ذلك على نجد، كانت قبيلة كندة اليمنية هي المسيطرة، فكان يسمى الملك قيلًا. زير سالم يقول: فلعمري لأقتلن بكليب كل قيل يسمى من الأقيال. ولعمري لقد وطئت بني بكر بما قد جنوه وطء النعال. لم أدع غير أكلب ونساء .. وأماء حواطب وعيال. يقول أفنى بني عمومته 42 عامًا حتى سلط الله عليه من هو أقوى منه لما فشا إجرامه على الإطلاق. ماذا من قام له؟ الحارث بن عباد. الحارث بن عباد قال، وهو من الأحناف، ما معنى من الأحناف؟ يعني على ملة إبراهيم عليه السلام، لا يعبد الأصنام، بقايا إبراهيم موجودة عنده. فقال في قصيدته تلك المشهورة، قال: كل شيء مصيره للزوال .. غير ربي وصالح الأعمال. وترى الناس ينظرون جميعًا .. ليس فيهم لذاك غير احتيال. يقول سينظرون إلى جزائهم في الآخرة. ثم بيّن كيف أنه ينبغي أن يوقف في قصيدته هذه المشهورة التي هي “قربا مربط النعامة مني”، كيف سيوقف شر هذا الزير. 40 عامًا وهو يفسد في الأرض، وفي الأخير غُلب وكُسر كسرة لا نظير لها حتى أنه حاول أن يفتدي نفسه بأقرب أقربائه، بأقرب أقربائه. إذاً ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ماذا؟ ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
الآن عندما نأتي إلى قول ربنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، ينبغي أن نجمع هذا مع قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. جاءتهم رسلنا بالبينات، ومن أعظم البينات ما هو مكتوب عندهم إلى الآن من تحريم القتل. هم من أعظم الناس الذين كتب عليهم تحريم القتل. والله تعالى وضح لنا هذا في القرآن في سورة المائدة هنا وفي سورة البقرة. ماذا قال في سورة البقرة؟ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾، انظر هذه الآية الرابعة والثمانين، آية عجيبة جدًا، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾، ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم﴾ أي عاملوا إخوانكم الذين تريدون إبعادهم عن الأرض، عاملوهم كأنهم أنفسكم. طيب هذه ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾ خاصة بهم أو عامة بجميع البشر؟ هم يحرفون ويقولون هي خاصة بهم، يعني هم فقط ينقذون أنفسهم. لكن القرآن يكشفهم، يبين أنها عامة لجميع البشر. ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم﴾ يعني كل واحد من بني آدم عاملوه كأنكم تعاملون أنفسكم. هذا معنى، ما في واحد يخرج نفسه، إنما يخرج أخاه. فهم قالوا لا، أخونا هو الذي على مذهبهم ومن دينهم ومن بني جنسهم ونسبهم. الله تعالى يبين أن هذا عام، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
ثم لما ذهبنا إلى كتبهم وجدنا أنهم يخبئون هذا، يعني موجود البينات عليهم قائمة. ففي كتاب المشناه سنهدرين, عندهم كتاب المشناه هذا جزء من التلمود. أنتم تعرفون أن عندهم التوراة وعندهم بعد ذلك ما هو فوق التوراة, شروح التوراة الذي هو التلمود، وفيه الشرائع والأخبار والأقاصيص. ثم هذا التلمود ينقسم إلى أقسام, منها ما يتعلق بشرائعهم ومنها ما يتعلق بأقاصيصهم وأخبارهم. قلتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ففي المشناه, المشناه جزء من التلمود، المشناه سنهدرين, ماذا يقول؟ من قتل نفسًا فكأنما قتل عالمًا بأكمله. هذا عندهم مثل ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. إذاً هنا بيان لقيمة الإنسانية عندهم كما هو عندنا. وعلى هذا قال الله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. ماذا فعلوا؟ استجابوا؟ قبلوا؟ طبقوا؟ قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ أي متجاوزون الحد في الجرائم التي يقترفونها. ومن أعظم ذلك أنهم يعتدون على الأبرياء ويتلذذون.
في كتابهم في سفر اللاويين، يعني في، ما معنى سفر اللاويين؟ إذا قلنا سفر اللاويين يعني جزء من توراة موسى التي ينسبونها إلى موسى عليه السلام، يعني إذا هو أعظم كتبهم على الإطلاق. في سفر اللاويين: ولا تقتل نفسًا. الحكم يكون لكم وللغريب، قال كالغريب يكون الوطني. يعني عاملوا أنفسكم كما تعاملون غيركم كما تعاملون أنفسكم. ولا تقتل نفسًا. هل طبقوه؟ هذه البينات موجودة عندهم، هل طبقوها؟ حرفوا هذا الكلام وأضافوا في كتبهم الأخرى ما يجعلهم يستبيحون ليس دماء المقاتلين، وإنما دماء الأطفال والنساء، وينصون على ذلك بصورة عجيبة. ولذلك هؤلاء يحتاجون إلى معالجة، يحتاجون إلى من يدعوهم إلى أن يصححوا هذه الأفكار المجرمة الموجودة عندهم في كتبهم الأصلية التي يستبيحون بها. عندما تريد أن تتفاوض معهم قل لهم لكن موجود في كتبكم كذا وكذا، لابد أن تبينوا أن هذا الكلام خطأ أو أن هذا الكلام لا يعمل به أو أنه موقوف. لكن هم طبعًا يذهبون ويريدون أن يحرفوا الكلم عن مواضعه، فيتهمون غيرهم بما يمارسونه.
وأنا أعجبني هذا بيرس مورغان، بيرس مورغان الذي في القناة البريطانية، المذيع المشهور الذي كان متعصبًا لهم تعصبًا شديدًا، ثم مع تطاول هذه الحرب الظالمة الآثمة ضد الأبرياء انقلب أمره وهو يحاور واحدًا من ضباطهم، فيسأله يقول له: يعني أنتم هل صفيتم الأبرياء ولا لا؟ يقول: لا، إنما صفوا الذين وقفوا منهم ذلك الموقف، يعني الذين يتهمونهم بكذا وكذا. فقال: يعني كم صفيتم منهم؟ كم أخذتم منهم؟ هذا معنى على كلامه. قال بأنهم صفوا من الجانب الآخر الذي هو الجانب المسالم 30,000، ويزعم أن هؤلاء من المقاتلين 3,000. قال له: طيب وكم بُلي مع كل واحد من هؤلاء؟ قال له بحسب إحصاءاتهم هم، قال له مع كل واحد من الـ 3000 اثنان من الأبرياء. قال له يعني إذا إحصاءاتكم أعظم من الإحصاءات التي جاءت منهم هم، لأنه لو أنت أخذت سيكون الآن أكثر من 90,000 بناء على هذا الإحصاء. ها؟ بينما الإحصاءات الواردة من الطرف الآخر نحو 70,000، صح ولا لا؟ يقول له إذا أنتم مع كل واحد تزعمون أنه يستحق ذلك تصفون اثنين من الأبرياء! ما هذا المستوى من الإجرام! فهنا تفهم معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ﴾ ماذا؟ ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾. وهنا أيضًا تقول لا إله إلا الله، صدق الله ورسوله، صدق الله ورسوله. قال الله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ﴾ ماذا؟ ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾. كيف يكشفهم الله تعالى ويبين حالهم.
صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولما قال الله سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم﴾، ﴿كَثِيرًا﴾، أيضًا نوع عجيب هذا البيان القرآني الرفيع، فإنه يعلمك أن تكون منصفًا، ونحن قد رأينا منهم من لا يقبل ذلك، ولكن كثيرًا منهم مسرفون. إذا كثير، ولكن لا يعني هذا ألا يوجد منهم منصفون. صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الآن تعالوا بنا إلى حالنا نحن معاشر المسلمين، حتى لا نتكلم عن الآخرين ونقع فيما يقع فيه الآخرون. انتبه لنفسك إن أسرفت. انتبه لنفسك ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ولذلك سأل علي بن سليمان الربعي فيما رواه الطبري، سأل الحسن البصري. الحسن البصري هذا من علماء العالم في التربية الإيمانية والقرآنية والقلبية، رجل لا نظير له في الدنيا، إذا نظر في القرآن أو نظر في الحديث أخرجه لك كأنما هو زمرّدة مزخرفة، كأنما هو ماسة عليها الذهب والهالة، تشعر بجمال كلام الله وجمال كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن حياته منغرسة فيه. هذا الحسن البصري قال له: يا أبا سعيد، هذا علي بن سليمان الربعي يسأل الحسن البصري: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، أهي لهم؟ يعني فقط خاصة بهم؟ ونحن، هذا أجر عظيم ووزر عظيم. إذا الإنسان اقترف هذه الجريمة وزر عظيم، كأنما قتل الناس جميعًا، وأجر عظيم إذا هو أنقذ نفسًا واحدة. هنا تشعر بالجهد الذي بذله أهل قطر وأهل مصر وأهل تركيا في مقابل حقن الدماء، جزاهم الله خيرًا. ها، قال: أهي لبني إسرائيل خاصة؟ يعني ما ندخل نحن فيها؟ قلتم لا إله إلا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: والذي لا إله غيره، يعني هي لنا كما هي لهم. بأن الفقهاء يا شيخ أحمد هنا، الفقهاء يقولون لك والله شرع من قبلنا ويأتون بكلام كثير ويتركون هذا الهدى العظيم، يفصلون وينسون هذا النور المبين، الكتاب المنير. يقولون شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا أو شرع لنا. قال: إي والذي لا إله غيره، يعني كما هي لهم هي لنا. حذيفة بن اليمان رحمه الله تعالى يثبت هذا المعنى، لعلنا نحدثكم بحديث حذيفة في مكان آخر.
المهم، ماذا يقول الحسن البصري؟ اسمع إلى بيانه الفذ العظيم. تلا هذه الآية ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ومضى يتلو هذه الآية يعني يحذر المسلم أن يفعل ذلك مع المسلم أو مع غير المسلم، أن ينتهك النفس البريئة. قال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. وأنت الآن كما ترى، شوف عينك، قبل أيام، قبل يومين مرة ثانية يضرب هؤلاء المجرمون على مسجد في السودان في أثناء الصلاة، كما ضربوا عليه قبل أسبوعين، على مسجد الناس يصلون وهم يضربون عليه النار فيدمرون من تحته. كما ترى في اليمن، في السودان، في كل مكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال الحسن البصري رحمه الله تعالى لما تلا هذه الآية ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ إلى أن وصل إلى قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: عظم والله في الوزر كما تسمعون. عظم والله في الوزر كما تسمعون. هذه الكلمة لابد أن أنتبه لها. ما معنى عظم والله في الوزر؟ ركز معي. قال: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا﴾ ماذا؟ والله لما يسمع الإنسان هذه يقول هذا لا نجاة له أبدًا، نسأل الله العفو والعافية. قتل الناس جميعًا، ليس واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة، كأنه أباد أهل الأرض، نسأل الله العفو والعافية. قال في المقابل، قال: وعظم والله في الأجر كما تسمعون. أي ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا﴾ أحياها إما بإنقاذها، يعني هؤلاء الذين يموتون جوعًا فتطعمهم من جوع وتسقيهم من ظمأ، أو أحياها أي بإخراجها من الضلالة إلى الهدى، كما ذكر بعض المفسرين تفسيرًا لاحقًا تبعيًا.
صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: عظم والله في الوزر كما تسمعون، وعظم والله في الأجر كما تسمعون. قال ثم قال ماذا؟ صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: إذا ظننت، الآن انظر إلى البيان الساطع، البيان تستطيع أن تقول البيان رقم واحد من الحسن البصري، قال: إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو قتلت الناس جميعًا فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كذبتك والله نفسك وكذبك الشيطان. يعني أنت لما تتصور مقدار الجريمة ثم بعد ذلك تقول، لأنه بعض الناس يقول لك عادي أنه يعمل هذا وبعدين خلاص الله غفور رحيم. قال: إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو فعلت هذا أي قتلت الناس، تصورت أنه بقتل النفس تساوي قتل الناس جميعًا، قال فإن لك من عملك -يعني تقوم تتصدق وكذا- فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كذبتك نفسك وكذبك الشيطان. وسلم، ماذا ستفعل؟ ماذا ستفعل عندما يكون لك بالمرصاد وربك لك بالمرصاد؟
يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى كلامًا بينًا وأنا عدلت في كلامه قليلًا، قال: من لك إذا ألم الألم – يعني نزل الموت – من لك هناك إن ربك لبالمرصاد؟ من لك إذا ألم الألم وسكت الصوت؟ آه آه تتكلم تتكلم تتكلم حتى انتهى. من لك إذا ألم الألم وسكت الصوت وتمكن منك الندم ووقع الفوت؟ خلاص فات كل شيء، انتهى، أعطيتك التجربة، أعطيتك الفرصة. الآن ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. نسأل الله العفو والعافية وأعظم الكرامة. من لك إذا ألم الألم وسكت الصوت وتمكن منك الندم ووقع الفوت، وأقبل لأخذ روحك ملك الموت وجاءت جنوده وقيل من راق؟. قال: ونزلت منزلًا ليس بمسكون. ما هو؟ ليس بمسكون، ما في من يؤنسك. ولا، ونزلت منزلًا ليس بمسكون وتعوضت بعد الحركات السكون. لا تستطيع أن تتحرك، فقط تسمع يأتيك الملكان يسألانك، تسمع أنت فقط. فيا أسفًا لك كيف، قال وأهوال القبر لا تطاق. نسأل الله تعالى العفو والعافية. قال: أكثر عمرك قد مضى وأعظم زمانك قد انقضى. أكثر عمرك قد مضى وأعظم زمانك قد انقضى. أفي أفعالك ما يصلح للرضا؟ بخلاف الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، الله! اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا في المقدمين منهم. ﴿لِّسَعْيِهَا﴾ ماذا؟ ﴿رَاضِيَةٌ﴾. تتذكر تتذكر تتذكر تقول الحمد لله وقع علي كذا، الحمد لله جلست في هذا المجلس أرجو الله والدار الآخرة أسمع ما يذكرني مثلًا، نسأل الله أن يقبلنا. فكيف تفعل إذا التقى بك عملك يوم التلاق؟ نسأل الله تعالى أعظم الكرامة.
وهنا أذكر لكم في قول ربنا ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾، أذكر لكم كلامًا لحاتم الأصم، من أبدع الكلام في تربية القلوب والنفوس. يقول لك: إذا جلس إليك صاحب خبر ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز. اسمع الآن البيان. قال: إذا جلس إليك صاحب خبر، ما معنى صاحب خبر؟ صحفي، مخابرات، أنت تعلم أنه سينقل عنك، إما لأنه صحفي، إما لأنه إعلام، إما لأنه وسائل تواصل، إما لأنه مخابرات يريد أن ينقل عنك، إما لأنه يريد أن ينقل إلى عشيرتك أو إلى أقربائك شيئًا وأنت تعلم أنه سينقل، فعند ذلك ماذا ستفعل؟ تحتاط، تحتاط في إخراج الكلمة بعد الكلمة حتى لا يأخذ عليك. وكلامك يعرض على الله فلا تحترز. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. ما إلى أن قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا﴾ ماذا؟ فوق أنه هو أصلًا جل جلاله مستغنٍ عن أن يكتب الملائكة أو عن، فوق ذلك فقط ليبين لك زيادة الزيادة التي ينبغي أن تحتاط فيها لنفسك، ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ ماذا؟ ﴿عَتِيدٌ﴾.
صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. هنا نذكر لكم حديثة أبي جعفر المنصور. فإنهم يذكرون بعد أن بنى مدينة من أعظم مدن العالم، ما المدينة التي بناها أبو جعفر؟ دار السلام، دار السلام بغداد، بغداد العظمى هذه دار السلام. بعد أن بناها جلس في قصر من القصور، تخيل أنت لما تبني مدينة بأكملها على طريقتك وخطتك وعندك من الأموال والكنوز والأيدي العاملة، عنده الدنيا كلها، عنده من الصين إلى المغرب، تخيل هذه كلها الدول كلها تحت يده، انظر كم الذهب. فجلس في قصره على سقف في قصره وإذا سهم يرمى بين يديه، يعني ما قصد به، طبعًا تعرف هذا القناص الذي من بعيد يستطيع أن يترصد، إذا كان راميًا ماهرًا يستطيع أن يترصد، فهو رمى بسهم بين يديه، ثم رمى سهمًا ثانيًا، ثم رمى سهمًا ثالثًا، كلها بين يديه فقط حتى ينظر. ارتاع أبو جعفر وأخذ السهم الأول وإذا هو مكتوب فيه رقعة، قال:
أتطمع في الحياة إلى التنادي
وتحسب أن مالك من معادي
بعض الناس يقول لك أنا سأعيش 50 سنة، 60 سنة، 70 وبعدين، ثم أتطمع في الحياة إلى التنادي، يعني يوم أن تنادى إلى الله سبحانه وتعالى ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أو يوم التنادي يعني يوم القيامة. عليه وسلم. اسمع لهذه القصة العجيبة. يقول:
أتطمع في الحياة إلى التنادي
وتحسب أن مالك من معادي
ستسأل عن ذنوبك والخطايا
وتسأل بعد ذاك عن العباد
الآن أنتم رأيتم سمعتم الأخبار بعد المفاوضات، الفئة الباغية المجرمة التي، فئة أبو شباب من معه الذين في تلك الأرض الطاهرة الذين كانوا مع العدو، الآن تخلوا عنهم ورموهم، لا يجذبونهم معهم. قال: أتطمع في الحياة إلى التنادي وتحسب أن مالك من معادي، ستسأل عن ذنوبك والخطايا وتسأل بعد ذاك عن العباد. هذا في السهم الأول. في السهم الثاني ماذا وجد فيه؟ قال:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
يعني أنت شايف نفسك في حال مريحة، الأموال دارة تأتي في كل شهر، الاستثمارات تأتي، الأمور أمان. قال: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر. ما تذكرت أنه ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال:
ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وساعدتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر
هذا السهم رقم كم؟ الآن الثالث. قال:
هي المقادير تجري في أعنتها
فاصبر فليس لها صبر على حال
يومًا تريك خسيس الحال ترفعه
إلى السماء ويومًا تخفض العالي
فلما رأى هذا، موجود في سجنك هذا، إذا واحد يدافع عن واحد همذاني من همذان، ليست همدان، همذان قد سجن في سجون أبي جعفر. فارتاع وأرسل يسأل من هذا الهمذاني المظلوم الموجود في سجنه؟ فبحثوا وجدوا واحدًا همذانيًا مقيدًا في أحد السجون وهو يتلو قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾. فهو على هذه الحال، فأخرجوه وأتوا به إليه، فقال له: ما ظلامتك؟ ما المظلمة التي أخذت بها حتى وضعت في السجن؟ فقال: عامل من عمالك في خراسان جاء إلينا فرأى أرضًا لي مقدارها ألف ألف، يعني انظر إلى هذه الأرض وإلى سعتها، فأرادها فلم أعطه فغصبها، ثم ادعى علي الصيحة أني من عدوك، يعني تعرف يرفع أوه فلان هذا ضد النظام ضد كذا، فخلاص تقرير ورماه في السجن. قال فهو جالس في السجن يقول: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾. فسأل أبو جعفر، وأبو جعفر هذا من أعظم ملوك الدنيا وهو من الملوك الذين ظلموا بالنسبة للنظر إلى تاريخه، يتكلمون عنه عن قصته فقط مع سفيان الثوري ولا يتكلمون في ملكه وتوطيده للسلم وقيامه بحق الأمة. الشاهد أن بعث وحقق ووجد أنه مظلوم، فقال: أولًا تحلني من ذلك، ثم عوضه أرضًا فوق أرضه، عوضه أرضه وأرضًا فوق أرضه، ثم قال: وولاية هذا الظالم أنت تكون مكانه. قال: أما الولاية فلا أصلح لها، وأما أرضي فقد أخذتها، وأما الزيادة فلا أحتاج لها، وبارك الله لك وأنت في حل. هذا المظلوم. إذا هنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ماذا؟ ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
صلينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. في مقابل هذا ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، في مقابله في عام 569 هجرية، واحد من علماء المغرب اسمه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف. إبراهيم بن يوسف هذا في عام 569 هجرية بعد صلاة الجمعه، بعد العصر وقد صلى الجمعه، كان دائمًا من قصته كان من أعظم الزهاد والعباد والصالحين. كان دائمًا يكرر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فسألوه عن ذلك فقال فذكر لهم عظمة الله وهيبته وخشيته لربه وأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تذكره بذلك. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فإذا جمعتها إلى قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قد ارتعت، شعرت بالهيبة والخوف. نسأل الله تعالى أن يقذف محبته في قلوبنا حتى لا نحب أحدًا سواه، وأن يقذف خشيته في قلوبنا حتى لا نخشى أحدًا سواه بفضله ورحمته. فلما جاء العصر، عصر يوم الجمعة، سادس شوال، يعني تخيل خرج من صيام وهو في صيام شوال ويوم جمعة، لاحظ أن الموت نازل به، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يكررها ويسرع فيها، يكررها ويسرع فيها، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم نظر إلى نفسه فسجد ومات في سجوده. انظر هنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ هناك، وانظر هنا ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ لمن أحسن من العباد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
ولذلك نحن نلجأ إليه فنقول:
يا من إليه جميع الخلق يبتهل
وكل حي على رحماه يتكل
يا من نأى فرأى ما في القلوب وما
تحت الثرى وظلام الليل منسدل
يا من نأى – يعني هو على الرحمن على العرش استوى – فراى كونه على العرش استوى، قال لا يعني أنه لا يرى ما عندنا.
يا من نأى فرأى ما في القلوب وما
تحت الثرى وحجاب الليل منسدل
يا من دنا فنأى عن أن تحيط به
الأفكار طرًا أو الأوهام والعلل
أنت المنادى به في كل نازلة
وأنت ملجأ من ضاقت به الحيل
أنت الغياث لمن سدت مذاهبه
أنت الدليل لمن ضلت به السبل
إنا قصدناك والآمال واقعة
عليك والكل ملهوف ومبتهل
نسأل الله تعالى أن يؤتينا أفضل ما أتى عباده الصالحين. وسيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم يأتيه جبريل عليه السلام فيقول له: يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجد يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت. عش ما شئت فإنك ميت، إن ربك لبالمرصاد. واعمل ما شئت فإنك مجزي به، إن ربك لبالمرصاد. وأحبب من شئت فإنك مفارقه، إن ربك لبالمرصاد. واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس. نسأل الله تعالى أن يرحمنا رحمة يغنينا بها عن رحمة من سواه.
اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وتول أمرنا وأحسن خلاصنا واقض حاجاتنا واكفنا شر ما أهمنا وشر ما لم نهتم به. اللهم يا من هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. يا من هو الله لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. يا من هو الله الخالق البارئ المصور لك الأسماء الحسنى يسبح لك ما في السماوات والأرض وأنت العزيز الحكيم. اللهم فرج عن عبادك في الأرض المقدسة، فرج عن عبادك المستضعفين في اليمن والسودان وفي كل مكان. اللهم فرج عن المظلومين يا أرحم الراحمين. اللهم اجعلنا أهلًا لولايتك ونصرتك وتوفيقك وتأييدك ومحبتك ورضاك. اجعلنا ممن تحبهم ويحبونك. اللهم عليك بالمجرمين المتآمرين وإخوانهم من المنافقين، أرنا فيهم عجائب قدرتك. اللهم بارك في هذا البلد واجعله آمنًا مطمئنًا وزده أمنًا وإيمانًا يا أرحم الراحمين وسائر بلاد المسلمين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربونا صغارًا وأحسن ختامهم واكتبهم في الفردوس الأعلى وأعنا على أحسن البر بهم. اللهم اغفر لأهلنا وذرياتنا يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل آباءنا وأمهاتنا وذرياتنا ممن يدخلون الجنة بغير سابقة حساب يا كريم يا وهاب. اجعل ذرياتنا إلى يوم الدين ولا تجعل فيهم إلا مسلمًا تقيًا يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لمن حضر هذا المجلس ولوالديه وحقق له رجاءه ورغبته وأجب له سؤله يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لكل من ظلمناه أو آذيناه أو اغتبناه أو أسأنا إليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب الدعوات. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. يسر لنا إتمام تفسير كتابك على أحسن وجه وأجمله وأكمله وأحبه إليك وأرضاه عندك يا أرحم الراحمين. وآتنا من فضلك ورحمتك بفضلك ورحمتك أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين. بلغ عنا واكفنا شر ما أهمنا وشر ما لم نهتم به. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الرئيسية
الخطب
مجالس أهل التفسير