مقتطفات

مظاهر التعامل الإنساني مع العبيد في القرآن

أ.د/ عبد السلام المجيدي

ما مظاهر التكريم الثمانية للفتيان والفتيات في قوله تعالى {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [النساء: 25]؟
ظهر التكريم الإلهي للفتيان والفتيات في هذه الآية بصورةٍ رائعة، وهو تكريمٌ يضمن الارتقاء بهم من حضيض المعاملة المهينة التي يجدها الأرقاء في الحضارات الأخرى إلى التكريم الإنساني اللائق الذي خلق الله عليه البشر، وبينه الله -تعالى جده- بقوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } [الإسراء: 70]، ومن الحقوق التي تبين مظاهر هذا التكريم في هذه الآية المباركة:


الحق الأول: تسميتهم المميزة (فتى- فتاة) حتى لو كبرت سنهم، حيث يقول الله تعالى: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25].

الحق الثاني: تقرير أن الاختلاف الوظيفي الإنساني لا يعني التفاضل في الأصل الإنساني، فقد يكون الرقيق أعظم إيمانًا من الحر، ويدل على هذا الحق {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ } [النساء: 25].

الحق الثالث: بيان العضوية المطلقة للفتيان المؤمنين والفتيات المؤمنات في المجتمع حتى كأنهم أحد أعضاء الجسد الواحد، ويُبَصِّرُنا الله بذلك بقوله: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [النساء: 25].

الحق الرابع: العلاقة مع السادة ليست علاقة بين سيد ورقيق بل علاقة بين الإنسان وأهله، حيث يقول الله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25].

الحق الخامس: تكريم الفتاة المؤمنة المنتسبة لفئة الأرقاء عند الزواج بمهرٍ شأنُها في ذلك شأن الحرة في أصل الموضوع، واسمع إلى الله يبين هذا الحق فيقول: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [النساء: 25].

الحق السادس: أن تتم تربية الفتيات على أساس أخلاق الحرائر ومكانتهن وشرفهن، ويُبَصِّرُنا الله بذلك بقوله: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25].

الحق السابع: تخفف عن الفتاة العقوبة مراعاةً لطبيعة الحياة التي كانت فيها وصارت إليها، وتدرجًا في عملية الإدماج المجتمعي، والله يقول عن هذا الحق: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25].

الحق الثامن: التعجيل والمبادرة بإعتاق الإماء، وهذا الحق بصرنا به قوله -تعالى مجدُه { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النساء: 25]، فالواقع التاريخي يثبت كثرة الإماء اللواتي تتم الرغبة في نكاحهن.. فإن كان الله يحث عباده على الصبر عن نكاحهن فلا يكون لذلك معنى إلا إشاعة الإعتاق لهن ليتم الزواج بهن باعتبار الأهلية الكاملة.

وهذا المظهر يدل على مدى الاحتياج العالمي لهذه الشريعة الإسلامية العظيمة التي لا يمكن أن تداوي الإنسانية جراحها بدونها، فأنت ترى في هذا التشريع مدى مناسبته للأوضاع الاجتماعية المختلفة في زمنٍ عومل فيه الأرقاء بامتهان، فكرمهم الله تكريمًا إنسانيًا لائقًا، فإن وقعوا في جريمة خفف العقوبة على عكس الشرائع المستغلة التي تزيد العقوبة كلما ازداد فقر الإنسان وانحطت رتبته الاجتماعية،

وينقل رشيد رضا أن القانون الروماني الشهير بمدونة جستنيان ينص على الآتي: «ومن يستهو أرملة مستقيمة أو عذراء، فعقوبته- إن كان من بيئة كريمة- مصادرة نصف ماله. وإن كان من بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض».
وكان المعمول به في القانون الهندي الذي وضعه «منو» وهو القانون المعروف باسم «منوشاستر» أن البرهمي إن استحق القتل، فلا يجوز للحاكم إلا أن يحلق رأسه. أما غيره فيقتل! وإذا مد أحد المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصًا ليبطش به قطعت يده… الخ، وكان اليهود إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد.
فكانت هذه العقوبة على الإماء في مكانها المناسب، فلم تلغ العقوبة تمامًا حتى لا يكون ذلك ذريعة لانتشار الرجس، ولم تعامل معاملة الحرة مراعاة للوضع الجديد الذي انتقلت إليه هذه الأمة بالعيش في المجتمع المسلم، ثم في القيام بتبعات الزواج.

أ.د/ عبد السلام المجيدي

مفصل تفسير سورة النساء


الكلمات المفتاحية: مظاهر التكريم الثمانية للفتيان والفتيات