دستور المعرفة العليا والعمل الأقوم
21 نوفمبر، 2021
727

إنه القرآن الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنضب فوائده وبصائره، وإنني لا أعتب على شخص يجهل القرآن أن قد يستنكر العنوان فيقول: هذه مبالغة ثم يعرض عن معرفة التفاصيل، ولكني أربأ بك أيها القارئ الكريم أن تكون مثله إذ العاقل يطالب بالبرهان على صحة الكلام.
فتعال معي الآن إلى التعليل والبيان، انظر إلى ملمحٍ ترسمه لنا الفاتحة المباركة ضمن خطتها في بناء الحياة وفق معاني كلماتها ونظمها المدهش الرائع، فالآيتان {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6،7] تمدان المجتمع والطبيعة بالخبرات الضخمة، والخصال الخيرة الرفيعة، وتدلان على أن بناء النَّفس الإنسانيَّة إنما يتم بالمعرفة المبصرة، والممارسة الصادقة وفق درجتين:
الدرجة الأولى
أن يحاول تحصيلهما بالفكر والنَّظر والاستدلال، والاستهداء لأقوم الأمور، ويدل عليه قوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
الدرجة الثانية
أن تصل إليه خبرات المتقدِّمين، فتستكمل نفسه صفاتها الرائعة اقتداءً بالصالحات والإيجابيات، وتركًا للقبائح والسلبيات. خبرات المتقدمين تنقسم إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى
الخبرات التي يجدها المرء من أَنْوَارِ الصالحين وهم نُـخَب المجتمعات وصفوتهم، ويمثلون الطَّائفة المحقَّة الَّتي جمعت بين العقائد الصَّحيحة والأعمال الصَّائبة، ويدل عليه قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.
المجموعة الثانية
الخبرات التي يجتنبها مما وجده من ظلمات المجرمين الَّذين أخلُّوا بالأعمال الصَّحيحة ابتداءً، ثم حرفوا لأجلها العقائد والتَصَوُّرات الصحيحة، وهم الذين ذكرهم الله تعالى بقوله {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ} [الفاتحة: 7].
المجموعة الثالثة
الخبرات التي يجتنبها مما وجده من ظلمات المجرمين الذين أخلُّوا بالعقائد الصَّحيحة ابتداءً، ثم أوجدوا لأجلها أعمالًا باطلةً مبنيةً على باطلٍ، وهم الضالون.. ستجدهم يحاولون أن يظهروا صحة أعمالهم ببعض التزيين، والعقلاء يعرفون كذبهم.
ونلاحظ هنا الفضل الإلهي الغامر؛ إذ نسب الله الإنعام إليه في حالة السعداء فقال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] لبيان أن الخير كله بيده، وهو يفيضه على عباده، فهو الذي هدانا فدلنا على الصراط المستقيم، ثم هدانا فوفقنا للسير فيه، ولولا فضل الله علينا ورحمته لَكُنَّا من المغضوب عليهم أو من الضالين.
ولتثبيت ذلك في حنايا نفوسنا، وأفكار عقولنا علمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللجوء إلى الله في كل جزئيةٍ من جزئيات الحياة، فعن علي بن أبي طالب أحد عظماء الدنيا من خريجي بيت النبوة -رضي الله عنه- أنه كان من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في استفتاح الصلاة: ((اللَّهمَّ أنت الملك لا إله إلَّا أنت. أنت ربِّي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبى جميعًا، إنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرف عنِّي سيِّئها إلَّا أنت. لبَّيك وسعديك، والخير كلُّه في يديك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)).
ونسبة الإنعام إليه لتعليمك كيف تطلب الفلاح، فتعتاد -أيدك الله- نسبة التوفيق في الإنجاز الفردي والجماعي إلى إنعام المنعم سبحانه، فلولا فضله لما كان توفيق ولا نجاح، وقد نقل ابن تيمية عن سهل بن عبد الله التُّستَري -رحمهم الله- قال: إذا عمل العبد حسنة وقال: يا رب.. أنت -بفضلك- استعملتَ، وأنت أعنتَ، وأنت سَهَّلتَ. شكر الله تعالى له ذلك، وقال له: يا عبدي.. بل أنت أطعتَ، وأنت تقربتَ. وإذا نظر إلى نفسه وقال: أنا عملتُ، وأنا أطعتُ، وأنا تقربتُ. أعرض الله تعالى عنه، وقال: يا عبدي.. أنا وفقتُ، وأنا أعنتُ، وأنا سَهَّلتُ. وإذا عمل سيئةً وقال: يا رب.. أنت قَدَّرتَ، وأنت قضيتَ، وأنت حكمتَ. غضب المولى عليه، وقال له: يا عبدي.. بل أنت أسأتَ، وأنت جهلتَ، وأنت عصيتَ. وإذا قال: يا رب.. أنا ظلمتُ، وأنا أسأتُ، وأنا جهلتُ. أقبل المولى عليه وقال: يا عبدي.. أنا قضيتُ، وأنا قَدَّرتُ، وقد غفرتُ، وحلمتُ، وسترتُ.
وفي المقابل جعل الله الغضب مبنيًّا لما لم يُسَم فاعله فقال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولا المعاصي مما يسبب الغضب. ومع أن الله -جلَّ في علاه- نسب الإضلال الجزائي إليه في مواضع أخرى كقوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين} [البقرة: 26]، إلا أنه هنا نسب الضلالة إلى أصحابها في (الفاتحة) التي تقدم البصائر الكلية الإسلامية فقال: {وَلَا الضَّالِّينَ}؛ لأنها اختيارهم، فأصرُّوا على سلوك طريق الضلالة، ونبذ العلم، والسير على جهالة.
وسبب عدم نسبة الغضب، وعدم نسبة الإضلال إليه سبحانه: ما يُـحدِثه ذلك من ترغيب هؤلاء الشاردين عنه، عسى أن يرجعوا إلى الطريق الصحيح، حيث أشار إلى ذلك بجعل الغضب عليهم دون نسبةٍ إليه، فكأنه غضبٌ جزائيٌ طارئٌ يمكن إزالته بإزالة سببه، ومثله الضلالة فهم الذين ضلوا، ولو رجعوا إليه لهداهم سواء السبيل {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
فنسأل الله تعالى أن يمدنا بفضله، ورحمته، وكرمه، وإحسانه بالإنعام، والإكرام، ويحمينا بالفاتحة تلاوةً، وفكرًا، وعملًا من طريق المعتدين من المغضوب عليهم والضالين الظُّلام، لكيلا نكون جزءًا من برامجهم، ولا نصنع صنيعهم، ولا نوافقهم على طريق المعاصي والإجرام.
وخلاصة ذلك أن هناك أمرين: علم وعمل أو رؤية وإرادة أو بصيرة وسلوك؛ فمن علم وعمل فأولئك المنعم عليهم، ومن علم وعاند العمل أو عاداه فقد نَسَّب نفسه إلى المغضوب عليهم، ومن أتبع هواه –الذي قد يسميه دينًا- بغير علم فأولئك هم الضالون.. يصدق ذلك على من انتسب إلى جميع الأمم، ومنهم المسلمون واليهود والنصارى.. فـ {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123].